بقلم: ناصر السلاموني
كلما عادت ذكرى العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر، عادت معها صورة ذلك الإنسان المصري الذي حوّل الهزيمة المرّة إلى نصر يدرَّس في أرقى الأكاديميات العسكرية حول العالم.
ففي عام 1973 لم يتحقق نصر عسكري فحسب، بل تحققت معجزة إرادة شعب بأكمله، تحوّل فيها الانكسار إلى عزيمة، والخوف إلى ثقة، واليأس إلى إصرار على استعادة الأرض والكرامة.
نصر العبور: عندما تحوّلت الجبهة الداخلية إلى سلاح
لم يكن عبور قناة السويس في السادس من أكتوبر 1973 مجرد عملية عسكرية بارعة، بل كان تتويجًا لتخطيط دقيق ووحدة هدف جمعت كل تخصصات القوات المسلحة: المشاة والمدرعات والمدفعية والدفاع الجوي والهندسة البحرية والاستطلاع والإمداد.
وبينما كانت المدفعية تمهد الطريق، كانت وحدات سلاح المهندسين تقيم الجسور فوق القناة، وفي الوقت نفسه كان سلاح الدفاع الجوي يحمي السماء بشبكة صواريخ جعلت من الطيران الإسرائيلي يقف عاجزًا أمامها.
وخلف الجبهة، وقفت الأسرة المصرية سندًا للجندي؛ فالأم التي ودّعت ابنها، والزوجة التي صبرت، والأب الذي تبرع بمدخراته لدعم المجهود الحربي، كلهم كانوا شركاء في النصر.
وفي مدن القناة، برزت المقاومة الشعبية نموذجًا للصمود، وكانت السويس مدرسة في التحدي، وظهر اسم الشيخ حافظ سلامة رمزًا من رموز الرفض الشعبي للاستسلام، حين قاد أبناء المدينة في مواجهة محاولات الاحتلال اقتحامها.
عندما تتجاوز الروح الحدود: أكتوبر قضية عربية
لم تكن معركة أكتوبر معركة مصر وحدها؛ فقد وقفت دول عربية شقيقة إلى جانبها بدعم عسكري وسياسي واقتصادي وطبي، ووصلت وحدات عسكرية عربية للمشاركة في القتال.
واستخدمت الدول العربية سلاح النفط في وجه الداعمين للاحتلال، مما أثبت أن التضامن العربي حين يتحول من شعارات إلى موقف عملي حقيقي، قادر على تغيير موازين القوى في العالم.
لهذا بقيت روح أكتوبر حاضرة في الوجدان المصري والعربي بعد أكثر من خمسة عقود؛ لأنها أعادت الثقة في الذات والقدرة على الإنجاز، وأثبتت أن التخطيط العلمي والإعداد الجيد والصبر يمكن أن يهزما أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”.
جيش وشعب: علاقة ثقة لا تنفصم
من أبرز مظاهر روح أكتوبر العلاقة الفريدة بين الشعب وقواته المسلحة.
فالجيش ليس مؤسسة منفصلة عن المجتمع، بل هو ابن هذا الشعب، يتغذى منه ويحميه.
وقد تجلى هذا التلاحم في محطات تاريخية فارقة، منها أحداث يناير 2011، ثم الثلاثين من يونيو 2013، حين نظر الشعب إلى جيشه كمؤسسة وطنية قادرة على حماية الدولة ومنع انزلاقها إلى الفوضى أو الصدام الأهلي.
علاقة قامت على الثقة المتبادلة: الجيش يحمي الوطن، والشعب يحافظ على دولته ومؤسساتها، والقيادة السياسية تدير الأزمات باحثة عن توازن دقيق بين حماية الأمن والاستقرار والاستجابة لمطالب المجتمع.
الاصطفاف لا يعني الصمت: الإنسان أولًا
الاصطفاف الوطني لا يعني أن نتفق جميعًا في كل شيء، ولا أن يتوقف النقد أو نتجاهل مشكلات المواطن.
على العكس تمامًا؛ فالوطن القوي هو الذي يعترف بمشكلاته ويعمل على حلها بصدق.
فالمواطن المصري الذي يلتف حول وطنه في مواجهة الأخطار الخارجية هو نفسه المواطن الذي يعاني من الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة، ويواجه تحديات في الصحة والإسكان والتعليم وفرص العمل.
هذه القضايا لا ينبغي أن تختفي خلف الحديث عن الأمن القومي، بل يجب أن تكون جزءًا من مفهومه؛ فالإنسان المستقر المطمئن على مستقبله هو أحد أهم دعائم الدولة القوية.
الشرق الأوسط الجديد: قوة بلا سلاح فقط
إذا نظرنا إلى الشرق الأوسط اليوم، أدركنا أن العالم أصبح أكثر تعقيدًا.
فالتحولات الجيوسياسية لا تعني فقط تغيّر الحكومات أو اندلاع الحروب، بل تغيّر موازين القوى والتحالفات ومواقع النفوذ والمصالح.
المنطقة تعيش أزمات متشابكة تمتد من فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن والسودان إلى البحر الأحمر وباب المندب، فضلًا عن صراع المصالح الدولية حول الطاقة والممرات البحرية والنفوذ السياسي والاقتصادي.
كما تغيّرت أدوات الصراع: فلم تعد القوة تُقاس بالسلاح وحده، بل أصبحت التكنولوجيا والاقتصاد والطاقة والأمن السيبراني والمعلومات والإعلام والرأي العام العالمي عناصر أساسية في معادلة القوة.
وهنا يتخذ الأمن القومي المصري مفهومًا أوسع من حماية الحدود؛ فهو يشمل المياه والغذاء والطاقة والاقتصاد والأمن البحري والاستقرار السياسي والمجتمعي، ويرتبط بما يجري في دول الجوار وفي الدوائر العربية والإفريقية والمتوسطية.
معركة الوعي: الشائعة سلاح لا يقل خطورة
في هذه البيئة المعقدة تصبح الجبهة الداخلية أحد أهم عناصر القوة، ومعركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى.
فالشائعة تنتشر في دقائق، وقد تُستخدم صورة قديمة أو معلومة ناقصة أو خبر مجهول المصدر لإثارة الخوف والشك.
لذا على المواطن ألا يكون ناقلًا للشائعة، وألا يسمح لمنشور مجهول أو مقطع مجتزأ بأن يصنع موقفه من وطنه، وأن يتحرى الدقة قبل المشاركة، فالنشر مسؤولية لا مجرد ضغطة زر.
وهنا يأتي دور الصحافة والإعلام الذي أصبح في مقدمة ساحات الصراع الحديثة، إذ لا يتلقى العالم الأحداث كما تقع فقط، بل كما تقدمها وسائل الإعلام.
ومن هنا حاجتنا إلى بناء لوبي إعلامي عربي قادر على مخاطبة العالم بلغاته وأدواته، وتقديم الرواية العربية بالمعلومة والوثيقة والحجة، ومواجهة الإعلام الموجه الذي يسعى لتشويه صورة العرب أو فرض أحادية للصراعات.
الاستثمار في الشباب: معركة أكتوبر بأدوات العصر
الشباب يحتاج إلى تعليم جيد، وتدريب حقيقي، وفرص عمل، ورعاية صحية، وسكن مناسب، ومساحة للابتكار والمشاركة، وفرصة لتحويل العلم والأفكار إلى مشروعات منتجة.
والدولة تبذل جهودًا كبيرة في مجالات البنية الأساسية والتحول الرقمي والمدن الجديدة والتدريب وتمكين الشباب وريادة الأعمال، لكن الأهم أن تصل هذه الجهود والفرص إلى الشباب بصورة واضحة وعادلة، وأن يعرفوا ماذا أعدت لهم الدولة ولماذا تبذل هذه الجهود.
ثم يأتي دور الشباب في تحمّل المسؤولية: بالعلم والعمل والإنتاج والابتكار، لا بمجرد الشعارات.
فالشاب الذي ينجح في دراسته أو عمله، ويبتكر مشروعًا، ويحافظ على أسرته ومجتمعه، ويحسن استخدام التكنولوجيا، ويواجه الشائعة بالمعلومة، هو في الحقيقة يواصل معركة أكتوبر بأدوات عصره.
استعادة الشخصية المصرية
نحن في حاجة إلى استعادة الشخصية المصرية الأصيلة؛ شخصية تعرف قيمة الأسرة، وتحترم الكبير، وترحم الضعيف، وتحافظ على صلة الرحم، وتعمل بإخلاص، وتواجه الصعوبات بالصبر، ولا تسمح لوسائل التواصل الاجتماعي أن تعزل الإنسان عن مجتمعه أو تحوّل الخلاف إلى خصومة.
وبين ذكرى العبور ومعارك الوعي والتنمية، يبقى الدرس الأكبر: أن النصر لا يُصنع في ساحة المعركة وحدها، بل يُصنع في وعي الإنسان وصلابة المجتمع ويقظة المؤسسات.
وكلما تمسكنا بروح أكتوبر — تخطيطًا وإرادة وعملًا ووحدة — ظللنا على قلب رجل واحد، قادرين على مواجهة أي تحدٍّ مهما كان معقدًا.

التعليقات