دراسة علمية غير مسبوقة ترصد تحول المجتمع السعودي عبر صناعة الترفيه
كشفت أحدث دراسة علمية لنيل درجة الدكتوراة في الإدارة بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا عن تحول نوعي شهده المجتمع السعودي خلال السنوات الأخيرة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بشكل متسارع، ارتبط جانب مهم منها بالتحولات التي أطلقتها رؤية المملكة العربية السعودية 2030، وما تضمنته من توجهات تستهدف تنويع الاقتصاد الوطني، وتعزيز جودة الحياة، وتوسيع قاعدة الأنشطة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، بما يسهم في بناء اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.
رسالة الدكتوراة الأولى من نوعها في هذا المجال
وجاءت الرسالة – التي تُعد الأولى من نوعها في هذا المجال – لتكشف مراحل تطور صناعة الترفيه بالمملكة العربية السعودية من خلال الباحث صلاح مهران الذي وضع عنواناً لرسالة الدكتوراة وهو «تأثير صناعة الترفيه على التغيير الاجتماعي ومساهمتها في النمو الاقتصادي في ضوء رؤية المملكة العربية السعودية 2030».
وتكتسب الدراسة أهميتها من كونها تنتمي إلى مجال بحثي حديث نسبياً على المستوى الأكاديمي العربي، حيث تربط بين ثلاثة حقول معرفية متكاملة هي الإدارة والاقتصاد وعلم الاجتماع، بما يتيح قراءة متكاملة لأثر قطاع الترفيه على البنية المجتمعية والاقتصادية في المملكة.
دور الهيئة العامة للترفيه في تحريك التغيير الاجتماعي
تناولت الرسالة دور الهيئة العامة للترفيه بالمملكة العربية السعودية برئاسة المستشار تركي آل الشيخ في وضع النواة الأولى لتحريك أكبر عملية تغيير اجتماعي شهدته المملكة في العصر الحديث، وهو التغيير الذي وصفه متخصصو علم الاجتماع بأنه ليس «تغييراً اجتماعياً» بمعناه التقليدي، وإنما هو أكبر عملية تقدم اجتماعي شهدتها المملكة العربية السعودية.
ويشير هذا التوصيف إلى أن قطاع الترفيه لم يعد نشاطاً ترفيهياً منعزلاً، بل أصبح محركاً لمجموعة واسعة من التحولات الثقافية والسلوكية، من بينها تغيّر أنماط استهلاك الوقت لدى الشباب، وبروز فرص عمل جديدة، وانتقال ملموس نحو مجتمع أكثر انفتاحاً وتفاعلاً مع الفنون والفعاليات الموسيقية والرياضية والثقافية.
تصدير الترفيه كمحرك للنمو الاقتصادي
أبرزت الدراسة أن صناعة الترفيه أصبحت ركيزة أساسية ضمن مسارات التنويع الاقتصادي، إذ تسهم الفعاليات والمنشآت الترفيهية في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتنشيط قطاعات مساندة مثل الضيافة والسياحة والنقل والتجارة بالتجزئة، إلى جانب مساهمتها في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة للشباب السعودي، ما يعزز من قدرة الاقتصاد الوطني على تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.
أبرز توصيات الدراسة
أوصت الدراسة العلمية بضرورة استمرار الجهات المعنية، وفي مقدمتها الهيئة العامة للترفيه، في التوسع الاستراتيجي بالفعاليات والمنشآت الترفيهية، مع العمل على تعزيز تمثيل المدن والمناطق الأقل حضوراً في هذا القطاع حالياً مقارنة بتركّز الفعاليات في الرياض وجدة، بما يضمن تعميم الأثر الاجتماعي والاقتصادي لهذا القطاع على نطاق جغرافي أوسع داخل المملكة.
كما أوصت الدراسة بتعزيز حضور القنوات الرسمية للهيئة العامة للترفيه (GEA) كمصدر موثوق للمعلومات، مع ضرورة تعزيز المحتوى الوطني والجودة الاجتماعية من خلال تصميم وتطوير برامج ترفيهية نوعية تُراعي الأصالة الثقافية والمنظومة القيمية للمجتمع السعودي، وتُسهم في ترسيخ الهوية الوطنية مع الانفتاح التنموي.
وشددت التوصيات على ضرورة دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة من خلال ابتكار آليات تمويلية وحزم تحفيزية للمشاريع الريادية المحلية العاملة في مجالات الترفيه، مع ضرورة توطين المهارات والكوادر البشرية وإطلاق برامج تدريبية وتأهيلية متخصصة لتزويد الشباب السعودي بالمهارات الاحترافية المطلوبة لإدارة وتشغيل قطاع الترفيه، إضافة إلى تسهيل الإجراءات التنظيمية وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية في البنية التحتية الدائمة للترفيه لضمان استدامة الأثر الاقتصادي وتوليد الفرص الوظيفية.
لجنة المناقشة والحكم
أشرف على الرسالة العلمية نخبة من علماء الإعلام والاقتصاد والإدارة من خلال لجنة المناقشة والحكم التي تكونت من الدكتور هويدا مصطفى أستاذ الإعلام ونائب رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، والدكتور منى قدري عميد كلية الدراسات العليا في الإدارة بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، والدكتور علاء أحمد عبدالعزيز أستاذ الإحصاء التطبيقي والاقتصاد بالجامعة البريطانية بالقاهرة.
خلاصة
تُعد هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تكشف عن نقلة نوعية في المجتمع السعودي اقتصادياً واجتماعياً من خلال صناعة الترفيه، لتقدم إطاراً أكاديمياً متكاملاً يمكن الاستفادة منه في رسم سياسات مستقبلية لقطاع الترفيه في المملكة، بما يدعم مستهدفات رؤية 2030 ويُرسّخ مكانة القطاع كأحد أهم روافد التنمية المستدامة.

التعليقات