في خطوة تعكس تصعيداً واضحاً في مواجهة التجاوزات الرقمية، أطلق المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تحركاً قانونياً وتنظيمياً حاسماً يوجّه رسالة تحذيرية صريحة لكل من يتجاوز حدود الخصوصية الشخصية للمواطنين.
ويأتي هذا القرار في إطار مساعي الدولة لإعادة ضبط المشهد الإعلامي وحماية كرامة الأفراد من الانتهاكات التي تفاقمت على منصات التواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة [ref:1,4].
ما هي العقوبات القانونية المقررة؟
بات القانون المصري أكثر صرامة في التعامل مع جرائم انتهاك الحياة الخاصة، حيث نصّت المادة (25) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه لكل من انتهك خصوصية شخص دون رضاه [ref:19].
كما نصّت المادة (26) من القانون ذاته على عقوبة مشددة تصل إلى الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة تتراوح بين مائة ألف وثلاثمائة ألف جنيه في حالات المحتوى المعلوماتي غير المشروع [ref:12].
ولم تكن هذه العقوبات وليدة اللحظة، إذ نصّت المادة (309 مكرر) من قانون العقوبات المصري على معاقبة كل من اعتدى على حرمة الحياة الخاصة للمواطن بالحبس مدة لا تزيد على سنة، وهو ما يعكس تراكم الخبرة التشريعية في مواجهة هذه الظاهرة المتنامية [ref:13,20].
من صور الانتهاك التي تطالها العقوبة؟
لا تقتصر العقوبة على الجانب المعنوي فحسب، بل تمتد لتشمل كل من يستخدم التقنيات الحديثة في تصوير أو نشر خصوصيات الآخرين أو تسجيل محادثاتهم أو تصويرهم في أماكنهم الخاصة دون موافقتهم الصريحة.
ويشمل ذلك أيضاً:.
- التقاط الصور أو مقاطع الفيديو ونشرها دون إذن.
- التنصت على المكالمات أو اعتراض الرسائل الإلكترونية.
- نشر بيانات شخصية أو معلومات خاصة بهدف التشهير أو الإحراج.
- استخدام المواد المصوّرة في الابتزاز الإلكتروني أو التنمر.
ويؤكد المشرّع أن هذه الجرائم لا تسقط بمجرد أن يكون الشخص المستهدف ذا شهرة أو مكانة عامة، فالخصوصية حق أصيل لا يسقط بالشهرة [ref:2].
دور المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
شدّد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام على ضرورة التزام الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية بمواثيق الشرف الإعلامي والأخلاقيات العامة [ref:5].
وانطلاقاً من قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام رقم 92 لسنة 2016، يباشر المجلس صلاحياته في تنظيم الإعلام المرئي والمسموع والرقمي على حد سواء [ref:9].
ويوضح المسؤولون أن الهدف من هذه الإجراءات ليس تقييد الحريات أو خنق حرية التعبير، وإنما بناء سياج حماية حول الحياة الخاصة للمواطن المصري، وضمان عدم استخدام الفضاء الإلكتروني كمنصة لنشر الشائعات أو التشهير بالأفراد.
ويؤكدون أن من يخالف هذه الضوابط سيواجه إجراءات قانونية رادعة قد تصل إلى العقوبات الجنائية المشددة.
حماية الفئات الأكثر عرضة للخطر
يولي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أهمية خاصة بحماية الأطفال من المحتوى الضار ومن صور الاستغلال والتنمر والتحرش والابتزاز [ref:1,4].
وقد أصدر المجلس بالتعاون مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات قراراً مشتركاً يُلزم منصات التواصل الاجتماعي باتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية الأطفال دون سن 15 عاماً، في خطوة تعكس مقاربة شاملة لحماية الفئات الضعيفة في الفضاء الرقمي [ref:8].
خطوات عملية للمواطن
- توثيق أي انتهاك للخصوصية بالصور أو الرسائل أو لقطات الشاشة.
- التقدم ببلاغ لدى النيابة العامة أو الإدارة العامة لتقنية المعلومات بوزارة الداخلية.
- الاحتفاظ بأدلة التعرض للابتزاز أو التنمر لتقديمها ضمن ملف القضية.
- اللجوء إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في حالة مخالفة وسيلة إعلامية أو منصة رقمية لمعايير المحتوى.
الخلاصة
مع اجتماع عقوبة الحبس التي لا تقل عن ستة أشهر مع الغرامات المالية المتفاوتة، والقرارات التنظيمية المشددة، بات من الواضح أن المشرّع المصري أرسل رسالة لا لبس فيها: خصوصية المواطن خط أحمر، وأن الفضاء الرقمي ليس منطقة بلا قانون.
ويبقى التحدي الحقيقي في تفعيل هذه النصوص على أرض الواقع وضمان الوصول السريع إلى العدالة لضحايا الانتهاكات الرقمية.
اقرأ أيضاً: كيف تحمي حساباتك على منصات التواصل من الاختراق والاستغلال؟

التعليقات