التخطي إلى المحتوى

لا تزال مسألة الانتقال من الوصفات الطبية الورقية إلى نظيرتها الإلكترونية تشغل حيزاً واسعاً من النقاش داخل المنظومة الصحية المصرية، إذ تتقاطع فيها أبعاد تقنية وتنظيمية واقتصادية تتطلب تنسيقاً دقيقاً بين الأطباء والصيدليات والجهات الرقابية.

وفي هذا الإطار، كشف الدكتور أحمد عمر، عضو مجلس نقابة الأطباء، عن تفاصيل جوهرية تخص خطوات تعميم مشروع “الروشتة الإلكترونية” على العيادات الطبية بمختلف المحافظات، موضحاً أن العقبات الحقيقية لا تقع في مجال البرمجيات، بل في جاهزية البنية التحتية واكتمال أطرها التنظيمية.

البنية التكنولوجية: العقدة الأساسية أمام التعميم

أوضح عضو مجلس نقابة الأطباء أن تفعيل نظام الروشتة الإلكترونية لا يمثل عائقاً من الناحية الفنية البحتة، فالتطبيقات والبرامج اللازمة متوافرة وقابلة للتشغيل بسهولة نسبية.

غير أن التحدي الفعلي يتمثل في توفير بنية تحتية تكنولوجية متطورة وشاملة تربط جميع الأطراف المعنية.

وشدّد على أن نجاح هذا التحول الرقمي يعتمد بالدرجة الأولى على وجود شبكة قوية ومستقرة تضمن تواصلاً سلساً وآمناً بين الطبيب المعالج والصيدليات في كل مدينة وقرية، بما يشمل المناطق ذات الاتصال المحدود.

ويضاف إلى ذلك ضرورة توفير أنظمة حماية للبيانات الطبية، وآليات توثيق رقمية تمنع التلاعب في الوصفات، إلى جانب خطط احتياطية للتعامل مع انقطاع الإنترنت أو الأعطال المفاجئة، حتى لا يتعطل صرف الدواء عن المريض في الحالات الحرجة.

مشروع قومي متكامل يخدم المريض والطبيب

أكد الدكتور أحمد عمر أن تعميم الروشتة الإلكترونية يستلزم إطلاق مشروع قومي متكامل تتولى إدارته والرعاية له الجهات المعنية بالدولة، على أن يضع في اعتباره التفاصيل اللوجستية والمالية اللازمة لتجهيز العيادات الخاصة، وبخاصة الصغيرة منها، بالأجهزة والبرمجيات المطلوبة، مع تقديم حوافز أو برامج دعم تخفف عن الأطباء أعباء التحول الرقمي.

ويهدف هذا التحرك في المحصلة إلى تقليص أخطاء القراءة البشرية للوصفات الطبية، وحماية حقوق المرضى، ومنع تداول الأدوية المغشوشة أو صرفها دون إشراف طبي موثق رقمياً.

كما يسهم النظام الإلكتروني في تكوين قاعدة بيانات دوائية وطنية تساعد في رصد التفاعلات الدوائية، ومتابعة أنماط الاستهلاك، والحد من الإسراف في صرف المضادات الحيوية، إضافة إلى تسهيل إجراءات التأمين الصحي والمطالبات.

تجارب دولية يمكن الاستفادة منها

في هذا السياق، تشير تجارب عدد من الدول التي طبقت الوصفات الإلكترونية إلى أن التطبيق التدريجي المرحلي كان أكثر نجاحاً من التعميم المفاجئ، إذ بدأت تلك الدول بمناطق ومحافظات محددة لاختبار الأنظمة ومعالجة الثغرات قبل التوسع.

وتُظهر هذه التجارب أيضاً أهمية التكامل بين الوصفة الإلكترونية وملف طبي رقمي موحد لكل مريض، بحيث يستطيع أي طبيب أو صيدلي الاطلاع على التاريخ الدوائي للمريض بأمان وبموافقته.

مطالب الأطباء قبل التطبيق الإلزامي

يشترط نجاح المشروع إنجاز خطوات تمهيدية أبرزها إصدار تشريع واضح يحدد المسؤوليات القانونية عن أي خطأ في الوصفة الإلكترونية، وتوحيد معايير البرامج المعتمدة لضمان توافقها فيما بينها، وتدريب الأطباء والصيادلة على استخدام الأنظمة، وتكثيف حملات التوعية التي تشرح للمرضى فوائد النظام وطريقة التعامل معه.

ويبقى الشرط الأهم هو ألا يتحول النظام الإلكتروني إلى عبء إضافي على الطبيب، بل إلى وسيلة تختصر الوقت وتقلل الأخطاء وتدعم القرار الطبي.

الخلاصة

تمثل الروشتة الإلكترونية محطة أساسية في مسار التحول الرقمي للقطاع الصحي المصري، لكن نجاحها مرهون بتكامل ثلاثة عناصر: بنية تحتية قوية، وإطار تنظيمي محكم، وتدريب فعلي للأطباء والصيادلة.

وإذا ما أُنجزت هذه العناصر ضمن مشروع قومي مدروس، فمن المتوقع أن تنعكس النتائج إيجاباً على سلامة المريض وكفاءة الإنفاق الصحي وشفافية سوق الدواء.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *