التخطي إلى المحتوى

يعيش قطاع الثروة الداجنة في مصر واحدة من أكثر المراحل الحرجة في تاريخه الحديث، وسط تحذيرات متصاعدة من خبراء الاقتصاد ومنتجي الدواجن بشأن خلل هيكلي عميق يضرب أحد أهم روافد الأمن الغذائي للمواطن المصري.

وتأتي هذه التحذيرات عقب تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها الكاتب راضي أحمد، عضو اتحاد منتجي الدواجن وعضو شعبة الدواجن بالغرفة التجارية، كشف فيها عن كواليس خفية وأزمات بنيوية يعاني منها هذا القطاع الحيوي، في وقت تتصاعد فيه أسعار الفراخ والبيض بشكل يرهق ميزانية الأسر المصرية يوماً بعد يوم.

هيمنة مطلقة لكبار المستثمرين على مفاصل السوق

أكد المسؤول البارز أن واقع السوق الحالي يشير بوضوح إلى سيطرة شبه كاملة لكبار المنتجين والكيانات الاحتكارية الكبرى على نسبة تصل إلى ثمانين بالمائة من إجمالي حجم الإنتاج المحلي من الدواجن والبيض.

ويحذر الخبراء من أن هذا التمركز الشديد للثروة والإنتاج في أيدي عدد محدود من الأفراد والشركات يمنحهم قدرة فائقة وغير مقيدة على التحكم في حركة العرض والطلب، فضلاً عن فرض سياسات سعرية قد تكون بعيدة كل البعد عن التكلفة الحقيقية للإنتاج، مما يضع صغار المربين في مهب الريح ويجعلهم عاجزين عن الاستمرار والمنافسة العادلة.

انهيار صغار المربين وتآكل صمام الأمان التنافسي

على مدار السنوات الأخيرة، تراجع عدد المزارع الصغيرة والمتوسطة التي ظلت لعقود تمثل حائط الصد الأول أمام أي محاولة للاحتكار أو التلاعب بالأسعار.

ويعود هذا التراجع إلى مجموعة من العوامل المترابطة، من أبرزها الارتفاع الحاد في أسعار الأعلاف الخام المستوردة بعد تحرير سعر الصرف، وزيادة تكاليف الطاقة والتبريد، واشتراطات الترخيص والاشتراطات البيئية والبيطرية المكلفة، إضافة إلى صعوبة الحصول على التمويل البنكي وتراكم الديون لدى المربين الصغار.

ونتيجة لذلك، انسحبت أعداد كبيرة من صغار المربين من السوق، تاركة المساحة مفتوحة أمام الكيانات الكبرى لتعزيز قبضتها وتوسيع حصتها السوقية.

تكلفة الإنتاج مقابل السعر النهائي: فجوة تثير الشكوك

يوضح متخصصون أن سعر بيع الدواجن للمستهلك في كثير من الأحيان لا يعكس بدقة تكلفة الإنتاج الحقيقية ولا التغيرات في أسعار مستلزمات الإنتاج مثل الذرة وفول الصويا والكتاكيت والأدوية البيطرية.

ففي حين تنخفض أسعار الأعلاف في الأسواق العالمية أحياناً، لا تترجم هذه الانخفاضات بالضرورة إلى تخفيضات مماثلة في الأسعار للمستهلك، بينما ترتد الزيادات بنسبة كاملة عند أي ارتفاع في التكاليف.

وتخلق هذه الفجوة قنوات مربحة للوسطاء والمحتكرين على حساب المنتج الصغير والمستهلك النهائي في آن واحد.

من يتحكم حقاً في الأسعار ويهدد لقمة عيش المواطن؟

تأتي هذه التحذيرات في توقيت بالغ الحساسية يعاني فيه المستهلك المصري من موجات غلاء متلاحقة ألقت بظلالها الثقيلة على القدرة الشرائية للأسر.

ويتساءل الشارع المصري اليوم عن الجهة الحقيقية التي تملك زمام المبادرة لضبط الأسعار وحماية المستهلكين من التلاعب الممنهج.

ومع تراجع أعداد المزارع الصغيرة والمتوسطة التي كانت تمثل صمام أمان حقيقياً ضد الاحتكار، باتت السوق المصرية رهينة لقرارات قلة قليلة من المتحكمين في حلقات التوريد والتوزيع، الأمر الذي يتطلب تدخلاً عاجلاً وحاسماً من الجهات الرقابية والمعنية لحماية السوق ومنع الممارسات الاحتكارية.

الدواجن في قلب الأمن الغذائي المصري

تمثل صناعة الدواجن ركيزة أساسية في منظومة الأمن الغذائي المصري، حيث توفر البروتين الحيواني منخفض التكلفة نسبياً مقارنة باللحوم الحمراء، وتشغل ملايين العاملين في حلقات الإنتاج والتوزيع والتصنيع والتغذية والتعبئة والبيع بالتجزئة.

ويعني أي خلل في هذا القطاع سواء في الإنتاج أو التسعير تأثراً مباشراً بسلة غذاء المواطن، خصوصاً الفئات ذات الدخل المحدود التي تعتمد على الدواجن والبيض كمصدر رئيسي للبروتين.

دعوات لتدخل رقابي عاجل وإصلاح هيكلي

يطالب خبراء ومنتجون بمنظومة إصلاحات عاجلة تشمل تفعيل قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية، ومراقبة سلاسل الإمداد والتوزيع للكشف عن أي تواطؤ في التسعير، ودعم صغار المربين عبر توفير الأعلاف بأسعار مدعومة وتسهيلات تمويلية، وتوسيع قاعدة المربين لضمان تنافسية حقيقية في السوق.

كما يدعو هؤلاء إلى تعزيز الشفافية في الإفصاح عن بيانات الإنتاج والأسعار، وتطوير منظومة الحجر البيطري والتأمين على الثروة الداجنة لحمايتها من الأوبئة التي تهدد الإنتاج بين الحين والآخر.

ويبقى السؤال الأهم مطروحاً: هل تنجح الجهات المعنية في كسر قبضة الاحتكار وإعادة التوازن إلى سوق الدواجن المصري، أم يستمر المواطن في دفع الثمن وحده بين فكي غلاء الأسعار وضعف الرقابة؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *