الشائعة ليست صدفة.
إنها هندسة.
في عالم تتسارع فيه نبضات الأكواد البرمجية وتتعالى أصوات الذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال الملحّ: كيف تُهندَس عقول الأمم؟ الشائعة لا تولد من فراغ، بل تنهض على بنية تحتية محكمة من الهندسة الاجتماعية والنفسية، تُبنى طبقة فوق طبقة كما تُبنى العمارة: أساس من الحاجة النفسية، وأعمدة من سرد مقنع، وسقف من تكرار لا يتوقف.
نظرية تدفق المعلومات على مرحلتين: الأساس النظري
يقول عالم الاجتماع الأمريكي بول لازار سفيلد إن المعلومات لا تنتقل من وسائل الإعلام إلى الجمهور مباشرة، بل تمر عبر مرحلتين: الأولى تنتقل فيها الأخبار من الإعلام التقليدي إلى قادة الرأي؛ وهم من يمتلكون المعارف الأعمق في بيئتهم كالعلماء والوجهاء والمؤثرين.
أما المرحلة الثانية، فيقوم فيها هؤلاء القادة بتلقّي المعلومة وتصنيفها وتفسيرها وإعادة بثّها للجمهور عبر قنوات الاتصال الشخصي والمباشر.
وتؤكد هذه النظرية أن العقل البشري ليس متلقّيًا إسفنجيًا يمتص الرسائل كما هي، بل يخضع لمرشّحات اجتماعية ونفسية، وأن التأثير الشخصي «وجهًا لوجه» غالباً ما يكون أكثر إقناعًا من أي خطاب رسمي.
من «الداعية» إلى «الخوارزمية».
حين يتحول المؤثر إلى قائد رأي جديد.
لم تفقد نظرية المرحلتين صلاحيتها في العصر الرقمي، بل وجدت فيها بيئة خصبة أكثر من أي وقت مضى.
فالمؤثرون على منصات التواصل الاجتماعي يلعبون اليوم دور القادة الجدد في صناعة الأخبار المزيفة وقيادة الرأي العام، لكن بفارق جوهري: لم تعد الرسالة تمر عبر قناة واحدة، بل تتشظى إلى ملايين النقاط في اللحظة ذاتها.
وهنا تتكامل النظرية مع أبحاث معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) التي نُشرت في دورية Science عام 2018، وأثبتت أن الأخبار الكاذبة تنتشر بسرعة وعمق واتساع يتجاوز الحقائق، إذ إن الأخبار الزائفة تحتاج نحو ستة أضعاف الوقت لتصل إلى 1500 شخص مقارنة بالحقيقة، كما وصلت أعلى 1% من سلاسل الأخبار الكاذبة إلى ما بين 1000 و100000 شخص، في حين تعذّر على الحقيقة الوصول إلى هذا المدى [ref:1,2,3].
وتفسير ذلك أن الكذب أكثر طرافة وصدمة، ويستدعي الغضب والدهشة والخوف — وهي مشاعر تسرّع المشاركة.
ويضاف إلى ذلك تفسير نظرية «التضخيم الاجتماعى للمخاطر»، التي توضح كيف يتحول القلق المجتمعي إلى وقود يضخّم المخاطر المتصورة، فيصبح الخبر الأكثر ترويعًا هو الخبر الأكثر تصديقًا.
والأهم أن الأبحاث أثبتت أن البشر — لا الروبوتات — هم المسؤولون عن هذا الانتشار، ما يعيد الاعتبار لعامل «الإنسان المرشّح» في معادلة الإعلام.
الدعاية الفاطمية: زلزال إعلامي سبق الحسم العسكري
يزخر التاريخ بنماذج عابرة للعصور تثبت أن الشائعات كانت دائمًا سلاحًا استراتيجيًا لاستنزاف الدول وإعادة تشكيل الولاءات.
وبقراءة تحليلية في نهاية العصر العباسي، من خلال كتابات المقريزي وابن خلدون والأبحاث الأكاديمية حول الدعاية الفاطمية، نكتشف أن بزوغ الدولة الفاطمية لم يُبنَ على حسم عسكري مفاجئ، بل سبقه عمل هندسي إعلامي دقيق.
فقد أدار «جهاز الدعوة الفاطمية» منظومة متكاملة من الشائعات الموجّهة، تعمل على مستويات متتابعة:.
- الترويج العقيدي: إشاعة «اقتراب ظهور المهدي المنتظر» والتبشير بمستقبل لا فساد فيه تسوده العدالة الاجتماعية، ما يخلق لدى الجمهور رغبة نفسية عميقة في التغيير قبل أن يوجد التغيير نفسه.
- شائعة الانهيار الاقتصادي: افتعال تقارير مبالغ فيها تنتقل في الأسواق ومجالس التجار والحجاج، مصممة للإيهام بأن بغداد تعيش رمقها الأخير، وأن الخليفة العباسي وبطانته عاجزون عن دفع رواتب الجند والحاشية، وأن خزانة الدولة فرغت بسبب الصراعات الداخلية.
- ضرب الثقة الاستثمارية: إقناع كبار التجار والمستثمرين في مصر والشام بأن الروابط الاقتصادية ببغداد أصبحت استثمارًا خاسرًا يعرضهم للإفلاس، ما دفعهم إلى تقبّل فكرة تحوّل الولاء الاقتصادي والسياسي نحو الفاطميين — وهنا يتحول الخبر الكاذب إلى قرار استثماري حقيقي.
- الدعاية الاستباقية: شائعات «الأمان المطلق والرخاء»، ودعاية الكرامات والتنبؤات الفلكية التي سبقت زحف جوهر الصقلي نحو مصر، مصوّرة التغيير كقدر محتوم للنجاة، ما أضعف المقاومة وهيأ الشارع لتقبّل العهد الجديد دون قتال يُذكر.
والدرس هنا أن جهاز الدعوة لم ينشر «معلومة» في مواجهة «معلومة»، بل بنى مزاجًا عامًّا كاملًا: فقد أفرغ الدولة القائمة من هيبتها الاقتصادية، وملأ الفراغ بمشروع بديل يبدو حتميًا.
إنها عمارة كاملة من الأكاذيب، تُشيّد طوبة فوق طوبة حتى يستحيل على الحقيقة أن تجد مكانًا تسكنه.
نفس السيناريو.
ووسائل أحدث.
المقارنة بين منابر التاريخ ووسائط العصر الرقمي تؤكد ثبات الجوهر وتطوّر الوسيلة.
بالأمس كان «الداعية» ينقل الرواية شفاهة لإحداث صدمة مدروسة في الوعي الجمعي، واليوم تتولى خوارزميات منصات التواصل ومصانع «محتوى الظل» المهمة ذاتها، لكن بسرعة تضاهي سرعة الضوء، وبقدرة على إعادة إنتاج الرسالة نفسها بألف صيغة تناسب كل جمهور على حدة.
الفارق ليس في الطبيعة، بل في معامل الانتشار: فقد تحوّل «التأثير الشخصي وجهًا لوجه» إلى تأثير مُخَصَّص بالخوارزمية، يتوقع ما يخيفك قبل أن تخاف.
لماذا تنجح الشائعة وقت الأزمات؟
تصبح الشائعة أكثر فاعلية في لحظات الانكسار الكبرى، وخصوصًا وقت «غلاء المعيشة» وارتفاع الأسعار، حيث يبحث الناس عن تفسير لمعاناتهم.
في هذه اللحظة تتآكل الحقيقة، وترتفع عمارة الأكاذيب طابقًا فوق طابق، حتى تهدّد بهدم حضارة أسال الأجيال دماءهم لبنائها.
فالمعركة الحقيقية — إذن — لا تُخاض على الأرض وحدها، بل في العقول، حيث يُعاد هندسة المجتمعات من الداخل قبل أن تتغير الخرائط من الخارج.
الشائعة ليست خصمًا ضعيفًا لأنه لا يمتلك حقيقة، بل خصم خطير لأنه لا يحتاجها.
المصدر الأصلي: مؤسسة الأهرام المصرية — بتوسيع وتحليل إضافي.

التعليقات