مقدمة: أمة تحفظ أدق التفاصيل
في حديثه الإيماني، أكد الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ومفتي الجمهورية الأسبق، أن الأمة الإسلامية نالت شرفًا فريدًا لم تنله أمة سابقة؛ ألا وهو حفظ تفاصيل حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، من أقوال وأفعال وحركات وسكنات، بدقة بالغة وبأمانة علمية غير مسبوقة، بحيث تظل السيرة العطرة حيّة في وجدان المسلمين عبر القرون، وكأنهم يعيشون وقائعها لحظة بلحظة.
السنن محفوظة بحفظ الله للقرآن
أوضح فضيلته أن السنة النبوية المشرفة محفوظة بحفظ الله تعالى، تمامًا كما تكفّل سبحانه بحفظ القرآن الكريم، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، فكل ما صدر عن النبي الكريم من قول أو فعل أو تقرير أو توجيه كان بوحي من الله عز وجل، مما يُضفي على سنته الشريفة حُجيّة مطلقة وقدسية خاصة.
ومن هذه المكانة تنبع أهمية السنة بوصفها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، فهي المبيّنة لمجملاته، والمفصّلة لأحكامه، والموضّحة لمعانيه، وبدونها لا يستقيم فهم النص القرآني ولا تطبيقه على وجهه الصحيح — وهو ما شدد عليه فضيلته في مواضع أخرى، منبّهًا إلى أن كثيرًا من الاعتراضات المعاصرة على السنة ترجع في أصلها إلى جهل الناس بمنهج العلماء في توثيقها [ref:19,14].
هل كُتب الحديث في عهد النبي ﷺ؟
وهنا يكشف الدكتور علي جمعة عن حقيقة تاريخية دقيقة، وهي أن تدوين السنة لم يبدأ متأخرًا كما يُظن، بل حظيت السنة بعناية كبيرة منذ العهد النبوي نفسه، مع وجود أدلة صحيحة على الإذن بكتابة الحديث الشريف [ref:20].
غير أن الأمر مرّ بمرحلتين:.
- مرحلة النهي عن الكتابة: وكانت مؤقتة ومقصودة، يقول النبي ﷺ فيها: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» — والسبب كما يوضحه فضيلته دفع الالتباس واختلاط كلام النبي بالقرآن الكريم في مرحلة الوحي، لا منع السنة أو تحقير علمها [ref:12].
- مرحلة الإذن الصريح: حين استقر القرآن وتميّز عن غيره، أذن النبي ﷺ بالكتابة، فأمر عبد الله بن عمرو بن العاص بأن يكتب، وقال: «اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج من فمي إلا حق»، وطلب في فتح مكة كتابة خطبة لأبي شاة، وكتبت الصحف كصحيفة همام بن منبه وصحيفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه [ref:11,10].
ويشير فضيلته إلى أن بعض الصحابة كانوا يكتبون الأحاديث والبعض الآخر اعتمد على الحفظ فقط، وهو ما يفسّر اختلاف عدد المرويات التي نقلها كل صحابي عن غيره [ref:13].
دور الصحابة والتابعين: منهج حياة لا رواية عابرة
وأضاف الإمام أن دقة الصحابة والتابعين في نقل دقائق حياة المصطفى ﷺ لم تكن روايات تاريخية عابرة، بل كانت منهج حياة متكاملًا؛ نقلوا هيئته وملامحه ومشيته وقيامه وقعوده وضحكته وبكاءه، حتى إن السيدة عائشة رضي الله عنها كانت تصف تفاصيل بيته الدقيقة، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما وصف جلسة النبي ﷺ وتطبيق أصابعه على لحيته، فصار المسلم يستطيع أن يتخيّل أخلاق النبي كأنه رأى العين.
ثم جاء عصر التابعين فكان له دور لا يقل أهمية عن دور الصحابة؛ فقد تلقّوا الرواية على أيدي الصحابة الأجلاء، وحملوا أمانة العلم ونشروه، وبدأوا بتقييد العلم وتدوينه في الصحف والدواوين، وبلغ الأمر ذروته بأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز — الذي فتح باب التدوين الرسمي المنظّم — حين كتب إلى الأمصار: انظروا إلى حديث رسول الله ﷺ فاجمعوه [ref:4,6,3].
ثم تطور الأمر خلال القرن الثاني والثالث الهجري إلى مرحلة التأليف في كتب مصنّفة (المصنفات والموطآت والمسانيد)، ثم مرحلة إفراد الحديث وإخضاعه لقواعد علمية صارمة في النقد والجرح والتعديل، فتميّز الصحيح من الضعيف من الموضوع، حتى أخرجت الأمة أعلام أئمة الحفظ كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه [ref:8,7].
الاقتداء بالنبي وكأننا نراه
ومن ثمار هذا الحفظ الدقيق، كما يقول الدكتور علي جمعة، أن لكل مسلم أن يرى أخلاق النبي ﷺ كأنه رآها بعينه، ويقتدي بخصاله الحميدة في المعاملات والعبادات، مما يعزز قوة الارتباط الروحي بالنبي الخاتم، ويجعل سنته حاضرة وبقوة في تفاصيل الحياة اليومية لكل مؤمن يبحث عن القدوة الحسنة.
خلاصة
Sنة النبي ﷺ ليست تراثًا مصنوعًا ولا روايات مقتطعة، بل وحي منزل، حفظه الله بحفظه، ونقلته أمة بأكملها بأمانة عجيبة، من صحف المشارقة والمغاربة، ومن حلقات الصحابة إلى دواوين التابعين إلى مصنفات الأئمة، فبقيت حجة ومنهجًا وهدى إلى يوم الدين.

التعليقات