تسمم الحمل.
حين تصل المعرفة الطبية متأخرة عن اللحظة الحاسمة.
على الرغم من العقود الطويلة من التقدم في تشخيص ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل وعلاجه، لا تزال مضاعفات تسمم الحمل (ما قبل الإرجاج) تُسهم في وفيات الأمهات حول العالم.
والسبب في نظر كثير من الخبراء لم يعد نقصًا في المعرفة الطبية، بل فجوة بين ما يعرفه الطب وبين وصول هذه المعرفة إلى المرأة في اللحظة التي يمكن أن تغيّر فيها مسار حالتها.
محاضرة دولية تحت عنوان «سد الفجوة الأخيرة»
طرح الدكتور عمرو حسن، أستاذ أمراض النساء والتوليد بكلية طب قصر العيني بجامعة القاهرة، وعضو المجموعة الاستشارية الفنية لمنظمة الصحة العالمية المعنية بوفيات الأمهات وأسبابها، هذه الرؤية خلال محاضرة دولية عُقدت افتراضيًا في 28 سبتمبر.
وحملت المحاضرة عنوان: «سد الفجوة الأخيرة: لماذا لا تزال النساء يفقدن حياتهن بسبب تسمم الحمل في عصر الطب المبني على الدليل؟»، وركّزت على التحدي الذي تواجهه النظم الصحية في تحويل الأدلة والبروتوكولات الطبية إلى رعاية فعلية تصل إلى المرأة في التوقيت المناسب.
ما هو تسمم الحمل؟ وما حجم المشكلة عالميًا؟
تسمم الحمل هو أحد اضطرابات ارتفاع ضغط الدم التي تظهر عادة بعد الأسبوع العشرين من الحمل، ويصاحبه ارتفاع ضغط الدم مع وجود بروتين في البول أو مؤشرات أخرى على تضرر الكلى أو الكبد أو أعضاء أخرى، وقد يتطور إلى تشنجات (إكلامبسيا) ومضاعفات تهدد الحياة.
ويصيب تسمم الحمل نحو 5% إلى 7% من النساء الحوامل، غير أنه يتحمل مسؤولية أكثر من 70 ألف وفاة أمومية سنويًا على مستوى العالم، فضلًا عن نحو 500 ألف وفاة جنينية وحديثي الولادة، بحسب المراجعات العلمية المنشورة.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن اضطرابات ارتفاع ضغط الدم مسؤولة عن نحو 16% من وفيات الأمهات عالميًا — أي ما يعادل نحو 42 ألف وفاة — وتُصنّف كأحد الأسباب المباشرة الرئيسية لوفاة الأمهات في كثير من البلدان، وتحتل المرتبة الثانية بين الأسباب التوليدية المباشرة بعد النزيف في عدد من الدراسات.
وتتركّز الغالبية العظمى من هذه الوفيات — أكثر من 99% — في البلدان ذات الموارد المحدودة، وهو ما يعكس أن العامل الحاسم ليس فقط توفّر الدواء، بل إمكانية الوصول إلى رعاية جيدة ومنتظمة.
«المرأة الصحيحة في الوقت الصحيح»
يقول حسن إن السؤال لم يعد فقط عن ماهية ما يعرفه الطب عن تسمم الحمل، وإنما عن كيفية ضمان وصول المعرفة إلى «المرأة الصحيحة في الوقت الصحيح»، بدءًا من اكتشاف عوامل الخطورة، وصولًا إلى سرعة التدخل والإحالة والمتابعة بعد الولادة.
ست حلقات مترابطة لحماية الأم
وحدّد الخبير المصري ست حلقات مترابطة تمثل، وفق رؤيته، المسار المطلوب لحماية الأم:
- التنبؤ بالمخاطر: تحديد من هي المرأة المعرضة للإصابة قبل ظهور الأعراض.
- الاكتشاف المبكر: متابعة دقيقة لقياسات ضغط الدم والفحوصات وتحليل البول.
- العلاج: التدخل السريع بما يقي من تطور المضاعفات.
- التصعيد والإحالة: نقل الحالة، عند الحاجة، إلى مستوى أعلى من الرعاية دون تأخير.
- المتابعة بعد الولادة: استمرار الرعاية بعد خروج الأم من المستشفى.
- مراجعة وفيات الأمهات والمضاعفات الشديدة: التعلم من كل حالة لمنع تكرارها.
عوامل الخطورة التي لا يجب تجاهلها
من أبرز العوامل التي ترفع خطر الإصابة بتسمم الحمل: الحمل الأول، الحمل في سن متقدمة (فوق 35 عامًا) أو صغيرة جدًا، وجود تاريخ شخصي أو عائلي للمرض، الحالات المرتبطة بارتفاع ضغط الدم المزمن أو أمراض الكلى أو السكري، الحمل المتعدد (التوائم)، والسمنة.
ويُوصي الأطباء في هذه الحالات ببدء المتابعة المبكرة وربما الوقاية باستخدام الأسبرين بجرعة منخفضة وفق تقدير الطبيب.
علامات تحذيرية تستدعي الرعاية الفورية
تشمل الأعراض التي تستوجب التوجه فورًا إلى الطبيب: صداعًا شديدًا لا يزول، اضطرابات في الرؤية مثل الزغللة أو رؤية بقع مضيئة، ألمًا في أعلى البطن أو تحت القفص الصدري، تورمًا مفاجئًا في الوجه واليدين، زيادة سريعة في الوزن، ضيقًا في التنفس، أو قلة في كمية البول.
وتشمل المضاعفات المحتملة: الإكلامبسيا، ومتلازمة HELLP التي تتضمن اضطرابًا خطيرًا في الكبد وتجلط الدم، وانفصال المشيمة، والولادة المبكرة، وتضرر الكلى والكبد، والنزيف الدماغي.
مؤشرات إيجابية في مصر.
وتحدٍّ جديد.
في مصر تأتي هذه الدعوة بالتزامن مع مؤشرات حديثة أظهرت تحسنًا في الوصول إلى خدمات رعاية الأمومة، وفق النتائج الأولية للمسح الصحي للأسرة المصرية 2025:
- نحو 98% من الولادات تتم على يد مقدم خدمة صحية مؤهل.
- نحو 96% من الولادات تحدث داخل المنشآت الصحية.
- نحو 92.4% من السيدات حصلن على رعاية حمل منتظمة.
لكن ارتفاع معدلات الوصول إلى الرعاية يفتح، بحسب الرؤية التي طرحها حسن، مرحلة أخرى من التحدي تتمثل في ضمان جودة هذه الرعاية واستمراريتها، وتحويل كل زيارة أثناء الحمل إلى فرصة لاكتشاف عوامل الخطورة والتدخل المبكر.
وتُظهر التجارب الدولية، بحسب تقديرات المنظمات الصحية، أن تحسين جودة الرعاية أثناء الحمل وبعد الولادة يمكن أن يقلل وفيات الأمهات بنسبة تصل إلى الثلثين، وهو ما يمنح هذه المقاربة بعدًا عمليًا كبيرًا.
الولادة ليست نهاية الرحلة
لا تتوقف المخاطر بالضرورة عند لحظة الولادة؛ فقد شدّد حسن على أهمية استمرار متابعة النساء اللاتي تعرضن لتسمم الحمل أو لاضطرابات ارتفاع ضغط الدم بعد الولادة، باعتبار أن ولادة الطفل لا تعني انتهاء رحلة الرعاية بالنسبة للأم.
وتكتسب هذه المتابعة أهمية مضاعفة، لأن تسمم الحمل يرتبط على المدى الطويل بارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب والضغط والسكري، ما يعني أن العناية بالأم بعد الولادة تُعد وقاية مبكرة لصحة المرأة في السنوات التالية.
بيانات الوفيات: ليست مجرد أرقام
دعا أستاذ أمراض النساء والتوليد إلى التعامل مع بيانات وفيات الأمهات والمضاعفات الشديدة باعتبارها وسيلة لتحسين أداء النظم الصحية، وليس مجرد أرقام للتسجيل، بحيث تُراجع رحلة المريضة كاملة لمعرفة اللحظة التي كان يمكن فيها للاكتشاف المبكر أو سرعة القرار أو الإحالة أن تغيّر النتيجة.
الخلاصة: الاختراق القادم ليس دواءً جديدًا
تشير هذه المقاربة إلى أن «الاختراق» المقبل في خفض وفيات الأمهات قد لا يرتبط بالضرورة باكتشاف دواء جديد، بل بقدرة النظم الصحية على تطبيق ما أثبته العلم بالفعل بصورة أسرع وأكثر انتظامًا: من الوقاية والاكتشاف المبكر إلى العلاج والمتابعة.
فالوقاية والتشخيص المبكر والتدخل في التوقيت المناسب تبقى الرهان الأكبر لإنقاذ أرواح الأمهات.

التعليقات