التخطي إلى المحتوى

في خطوة تُعدّ من أكثر الخطوات جديّة على طريق بناء فضاء إعلامي رقمي أكثر أماناً وإنصافاً، تصدّرت مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان مشهد مواجهة الظواهر السلبية المستحدثة في الفضاء الإلكتروني المصري، عبر إطلاقها برنامجاً تدريبياً متطوراً يستهدف الصحفيين وصنّاع المحتوى على اختلاف منصاتهم الرقمية.

والهدف معلن وواضح: تسليح هؤلاء المهنيين بالأدوات المعرفية والتقنية والقانونية اللازمة للتصدّي لخطاب الكراهية والعنف الموجّه ضد المرأة عبر شبكات الإنترنت، بما يحوّلهم من مجرّد ناقلين للأخبار إلى خط دفاع أول في مواجهة التنمّر الرقمي.

سياق المشروع: «FemRise» ومدونة السلوك

يأتي هذا البرنامج التخصصي في إطار أنشطة مشروع «FemRise: تغيير السرديات، وتشكيل المستقبل»، وهو المشروع الذي تعتمده المؤسسة كمنصة لتغيير الطريقة التي تُقدَّم بها قضايا المرأة في الإعلام.

ولم تكن الورشة حدثاً معزولاً، بل امتداداً لسلسلة من اللقاءات السابقة التي نظّمتها «ماعت»، إلى جانب إصدارها مدونة سلوك للإعلام الرقمي؛ وهي وثيقة إرشادية تسعى من خلالها المؤسسة إلى تعريف الصحفيين وصنّاع المحتوى ببنود سلوكية واضحة تحكم التعامل مع المحتوى الذي يمسّ النساء، وتضع خطاً فاصلاً بين النقد المشروع والتحريض المرفوض [ref:11,12].

حرية التعبير في مواجهة المسؤولية المجتمعية

حملت الورشة التخصصية عنواناً دالاً: «الإعلام الرقمي بين حرية التعبير وحماية المرأة من العنف»، وهو عنوان يفتح الباب أمام واحدة من أكثر الإشكاليات حساسية في الإعلام المعاصر، أي الحد الفاصل بين الحق في نشر المعلومات وحرية الرأي من جهة، والمسؤولية الأخلاقية والقانونية في حماية الفئات الأكثر عرضة للتنمّر الرقمي من جهة أخرى.

وقد ناقش الخبراء المشاركون كيفية صياغة محتوى صحفي واعٍ لا يكتفي بنقل الواقع، بل يسهم بفاعلية في تقويم السلوكيات المجتمعية السلبية المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدين أن الحياد المهني لا يعني أبداً الوقوف على مسافة واحدة من الضحية والجاني حين يتعلق الأمر بالعنف القائم على النوع الاجتماعي.

أدوات عملية لمواجهة الابتزاز السيبراني

لم يقتصر البرنامج التدريبي على الجانب النظري، بل تضمّن جلسات عملية وورش عمل تفاعلية ركّزت على تمكين المشاركين من رصد حالات العنف الرقمي والتحرش السيبراني وتوثيقها بطريقة سليمة تصلح للاستخدام القانوني والإعلامي.

وشمل التدريب أيضاً الآليات التقنية والقانونية المتاحة للتعامل مع الحسابات التي تبثّ «سموم الكراهية» ضد المرأة، من الإبلاغ عن المحتوى إلى جمع الأدلة الرقمية وحماية المصادر والضحايا.

وشدّد القائمون على المبادرة على أن الصحافة الرقمية هي «خط الدفاع الأول» في توعية الرأي العام وتغيير الصور النمطية البالية التي تكرّس التمييز، داعين إلى تضافر الجهود بين منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الصحفية لبناء بيئة رقمية نظيفة وآمنة للجميع.

لماذا الآن؟ أرقام تُفسّر الإلحاح

تكتسب هذه المبادرة أهمية مضاعفة بالنظر إلى حجم الظاهرة عالمياً وإقليمياً.

فقد أصبحت الفضاءات الرقمية «جبهات قتال جديدة» للعنف ضد النساء والفتيات على مستوى العالم وفي المنطقة العربية تحديداً [ref:2]،وتشير البيانات إلى أن نسبة كبيرة من النساء اللواتي أبلغن عن تعرّضهن لعنف عبر الإنترنت في عام 2020 وحده أكدن أن العنف انتقل من الشاشة إلى حياتهن الواقعية، مقارنة بنسب أقل بكثير في فترات سابقة؛ وهي ظاهرة تُعرف بـ«الظلال الرقمية» حيث يتحوّل التهديد الافتراضي إلى تهديد ملموس على السلامة الجسدية والنفسية [ref:8].

أنواع العنف الرقمي التي يجب أن يعرفها الصحفي

  • التنمّر والتحرّش السيبراني: رسائل وتعليقات مسيئة أو تهديدية موجهة للنساء، كثيراً ما تستهدف من يظهرن في الفضاء العام أو يمارسن العمل المهني.
  • الابتزاز الإلكتروني والصور الخاصة: التهديد بنشر صور أو معلومات خاصة، وهو من أخطر أشكال العنف الرقمي لأنه يمسّ الخصوصية والكرامة مباشرة.
  • خطاب الكراهية الجندري: خطاب يُكرّس الصور النمطية ويشجّع على التقليل من شأن النساء أو تهديدهن بسبب مواقفهن.
  • سرقة الهوية وانتحال الشخصية: إنشاء حسابات مزيّفة باسم الضحية لبث محتوى مسيء أو تشويه سمعتها.
  • التتبّع والمراقبة الرقمية: استخدام أدوات التكنولوجيا للتجسّس على الضحايا ومضايقتهن.

التغطية الصحفية المسؤولة: مبادئ عملية

إلى جانب مهارات الرصد والتوثيق، يحتاج الصحفي إلى مجموعة من المبادئ المهنية التي تحكم طريقة تناوله لقضايا العنف الرقمي، ومن أبرزها:

  • حماية هوية الضحايا: تقديم الخصوصية والكرامة على الإثارة الصحفية، وعدم نشر تفاصيل قد تعرّض الناجية لمزيد من الأذى.
  • الامتناع عن التضخيم: تجنّب العناوين «الصادمة» التي تُعيد إنتاج العنف أو تمنح الجاني مساحة غير مستحقة.
  • التحقق من الأدلة الرقمية: فهم القيمة القانونية للقطة الشاشة والسجل الرقمي وطريقة حفظها بما لا يضيّع دليلها.
  • الرجوع إلى المصادر الموثوقة: الاستعانة بمنظمات المجتمع المدني والجهات المعنية بالدعم القانوني والنفسي عند تغطية هذه القضايا.
  • الإحالة إلى الدعم: تضمين معلومات عن آليات الإبلاغ والمساعدة المتاحة للضحايا، بدلاً من الاكتفاء بالتوثيق السلبي.

دور الصحفي بين الوعي والتحرّك

الرسالة الجوهرية التي خرج بها المشاركون من البرنامج واضحة: الصحفي ليس وسيطاً محايداً بين معلومة وجمهور، بل فاعل في تشكيل الوعي العام.

وعندما يختار الصحفي عدم منح خطاب الكراهية مساحة، أو عندما يتحقق من رواية امرأة تعرّضت للتنمّر الرقمي بدلاً من التشكيك فيها، فهو يغيّر بممارسته اليومية الصغيرة شيئاً في الثقافة العامة.

ومن هنا تأتي أهمية هذه البرامج التدريبية بوصفها استثماراً في رأس المال البشري الإعلامي، لا مجرد فعالية عابرة.

نحو فضاء رقمي آمن: مسار مفتوح

تبقى الطريق طويلة.

فالتصدّي للعنف الرقمي ضد المرأة لا يحلّه تدريب واحد ولا مبادرة منفردة، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع بين التشريعات التي تجرّم الابتزاز والتحرّش الإلكتروني، وآليات تنفيذ فعّالة وسريعة، وتعليم إعلامي يبدأ من كليات الصحافة، ووعي مجتمعي لا يسامح على التنمّر.

وما تفعله «ماعت» عبر برنامجها التدريبي هو وضع حجر في هذا البناء؛ دفعة نحو بيئة رقمية يعبّر فيها الجميع عن آرائهم بحرية، دون أن تُدفع النساء ثمناً لكرامتهن وسلامتهن.

والدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه: حماية المرأة من العنف الرقمي ليست معركة «نسائية» منفصلة، بل هي معركة النظام الإعلامي بأسره في استحقاقه للثقة والاحتراف، واختبار حقيقي لمدى جديّة المجتمع في الانتقال من شعارات حرية التعبير إلى ممارسة المسؤولية عنها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *