جنوب لبنان على أعتاب تحوّل تاريخي.
رحيل «اليونيفيل» بعد نحو خمسة عقوديعيش جنوب لبنان مرحلة مفصلية بالغة الحساسية، مع اقتراب موعد إنهاء مهام قوة الأمم المتحدة المؤقتة «اليونيفيل» (UNIFIL) في 31 من كانون الأول/ديسمبر 2026، على أن تبدأ بعدها عملية انسحاب منظّم يُفترض أن تمتد عاماً كاملاً.
وبحسب قرار مجلس الأمن الدولي الصادر في 28 آب/أغسطس 2025، تُمَدَّد مهمة القوة حتى نهاية 2026 مع إلزامها بـ«انسحاب تدريجي وآمن» قبل ذلك التاريخ، في حين كشفت مصادر أممية عن خطط لسحب معظم العناصر العسكرية بحلول منتصف 2027 [ref:10,13].والحدث لا يقتصر تأثيره على مغادرة نحو 7,565 عنصراً من حفظ السلام يمثّلون قرابة 46 دولة [ref:20]، بل يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مصيرية حول شكل الاستقرار والأمن في هذه المنطقة المشتعلة، في ظل غياب اتفاق واضح بين الأطراف حول اليوم التالي.
خلفية تاريخية: قوة وُلدت عام 1978 لتراقب الانسحاب الإسرائيلي
أُنشئت «اليونيفيل» بقرار من مجلس الأمن في آذار/مارس 1978، بهدف تأكيد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان واستعادة السلام والأمن الدوليين [ref:15].وعلى مدى العقود الماضية، تحوّلت القوة من مجرد مهمة مراقبة حدودية إلى «درع دولي» يفصل بين لبنان وإسرائيل، ويؤمّن نوعاً من الاستقرار الهشّ في المنطقة الحدودية، ويرعى تفاهمات غير مكتوبة حالت دون انزلاق المواجهات إلى حرب واسعة.
سيناريوهات مرعبة للفراغ الأمني في الجنوب
تتزايد الهواجس لدى الشارع اللبناني والدوائر السياسية من احتمالية وقوع فراغ أمني كبير عقب رحيل القوات الدولية، وهو ما قد يُغري الجانب الإسرائيلي بتصعيد عملياته أو التنصل الكامل من الالتزامات الدولية المتعلقة بالانسحاب الشامل.ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه القوات الإسرائيلية تحتلّ مناطق حدودية في الجنوب، ما يجعل المشهد أكثر تعقيداً [ref:8].ويصف نائب المتحدث باسم «اليونيفيل» الوضع الأمني في جنوب لبنان بأنه «لا يزال هشاً» رغم تراجع مستوى العنف، في إشارة إلى أن الاستقرار الحالي قد لا يصمد طويلاً بعد مغادرة القوة [ref:2].
وهذا ما يضع الدولة اللبنانية وجيشها أمام اختبار صعب ومعقد لضبط الحدود وحماية السيادة الوطنية في ظل أزمات اقتصادية وأمنية متراكمة.
تداعيات الانسحاب على الاستقرار الإقليمي
لا شكّ أن الخطوة المرتقبة لإنهاء مهام «اليونيفيل» ستلقي بظلالها الثقيلة على المشهد الإقليمي برمته، وسط مخاوف من انهيار التفاهمات هشّة البناء، وغياب الآليات الرقابية الدولية التي كانت تلعب دوراً محورياً في احتواء التوترات ومنع انزلاق الأمور نحو مواجهة عسكرية واسعة النطاق يصعب السيطرة عليها.وقد حذّر الاتحاد الأوروبي من تداعيات إنهاء ولاية القوة، معلناً دعمه لتمديدها، ومشيراً إلى خطورة حدوث فراغ أمني في الجنوب [ref:5].كما يطرح خبراء أمنيون بدائل لتلك المرحلة، أبرزها إمكانية إحلال بعثة دولية جديدة تتولى مهام «التدريب والتجهيز» (train-and-equip) لدعم الجيش اللبناني، بدلاً من الاعتماد على قوات حفظ سلام تقليدية [ref:16].
الأثر الاقتصادي والاجتماعي على سكان الجنوب
لا يقتصر الخطر على البعد الأمني، بل يمتد إلى الأثر الاقتصادي والاجتماعي المباشر على أهل المنطقة.فكثير من العائلات تعتمد على وجود القوة الأممية من خلال فرص العمل والخدمات ومصادر الرزق المرتبطة بها، ما يثير مخاوف محلية من تداعيات إضافية على الاقتصاد المحلي في منطقة تعاني أصلاً من فقر وتراجع التنمية [ref:1,6].

التعليقات