على ميزان التاريخ تُقاس مواقف الرجال العظام في ساعات الحُلك، وتتجسد عبقرية الأوطان حين تُختبر نُخَبها وسلاطين سياستها على محك الأزمات الكبرى.
ومن بين أدق منعطفات الإقليم وأكثرها تعقيداً، يرتفع اسم مصر منارةً للوعي وبوصلةً للأمن القومي العربي؛ حيث لم يكن قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي بالدفاع عن أمن المملكة العربية السعودية، واستدعاء التفويض البرلماني وتعبئة الشعب المصري خلفه، مجرد إجراء عسكري أو سياسي عابر، بل جاء ملحمةً استراتيجيةً ناطقةً بعقيدة الأمة الراسخة.
ومن موقع المواطن المصري المنتمي إلى نبتة هذه الأرض، حين أُعلن دعمي لما تقوم به الدولة المصرية من خطوات، أُسلط الضوء على أربعة أمور رئيسية لابد أن تكون حاضرة في ذهن المواطن المصري وذاكرته:
أولاً: أزلية الروابط التاريخية بين مصر والسعودية
حين يلتقي النيل بالفاو والرياض، تتشابك جذور التاريخ لتنسج نسيجاً لا تقطعه ريح العواصف ولا تهزه فتن العصور، لتتبلور عليه ملامح العلاقات المصرية السعودية التي لم تكن يوماً وليدة صدفة سياسية ولا مصلحة آنية، بل ميثاق دم وعهد عقيدة.
فقد رأت مصر دائماً في أمن الخليج عمقاً استراتيجياً لا يتبدل، ووجدت المملكة في القاهرة السند الأوفى والظهر الذي لا ينكسر.
ولذلك أقول بصدق وعقيدة إن مواقف البلدين الراسخة عبر الأزمنة كانت الصخرة التي تتكسر عليها أطماع المتربصين، لتبقى الشراكة بينهما شاهداً حياً على أن قوة العرب تكمن في وحدة صفهم وتلاحم قلوبهم.
ثانياً: مصر البديل الاستراتيجي وسد الذرائع أمام الابتزاز
في مشهد إقليمي يعج بالمتغيرات والضغوط، برزت عبقرية التحرك المصري كحائط صدٍ منيع.
فقد مثّل دخول مصر ساحة الدفاع الاستراتيجي عن الشقيقة السعودية درعاً حصيناً وبديلاً حقيقياً يُغني المملكة عن أي خيارات مريرة أو مساومة مشبوهة، لا سيما بعد طلب إسرائيل الدخول إلى المملكة العربية السعودية لممارسة دور دفاعي داخل أراضيها، وهو دور قد يتحول لاحقاً إلى تهديد صريح لملاحة البحر الأحمر.
فبدلاً من أن تقع الشقيقة الكبرى رهينةً لأطماع إقليمية أو ابتزاز ممنهج تقوده آلة الاحتلال الإسرائيلي لمحاولة فرض وصاية أو هيمنة، هبّت مصر لتؤكد حقيقة ساطعة: “أمن العرب للعرب، وحمايتهم بأبنائهم الأوفياء”.
لقد أغلقت القاهرة الباب أمام كل محاولات الاختراق، حافظةً للسيادة السعودية استقلالها، ولمنطقتنا توازنها.
ثالثاً: التفريق بين المهام الدفاعية والحروب المباشرة غير المحسوبة
لم يكن القرار المصري طيش عاطفة أو اندفاعاً أعمى خلف مغامرات غير محسوبة، بل تميز بانضباط عسكري واستراتيجي بالغ الرقي.
فقد حصرت القيادة المصرية أهدافها ودورها في تأدية مهام دفاعية خالصة ومحدودة، تهدف إلى ردع المعتدي وتثبيت ركائز الاستقرار دون الانزلاق إلى مستنقعات أو سيناريوهات عبثية قد تستنزف مقدرات الأمة.
هذا الوضوح في تحديد الإحداثيات والحدود جنّب البلدين أثماناً باهظة وحروب استنزاف عمياء، ليظل السلاح المصري دائماً طاهراً، موجهاً نحو بوصلته الصحيحة: دفاعاً لا عدواناً.
رابعاً: حكمة القيادة وشجاعة الترجل إعلاءً للوطن
وراء هذا كله، تقف شخصية الرئيس عبد الفتاح السيسي راسخة كالجبال وسط طوفان من الضغوط العاتية والتحديات غير المسبوقة التي تكالبت على مصر من كل حدب وصوب.
لقد أدار الرجل دفة السفينة بحكمة القبطان الماهر وسط الأمواج العاتية، متحملاً بصمت وجلدٍ وزر المسؤولية الجسيمة.
ولعل أبلغ ما يسطره التاريخ في هذا السياق هو ذلك الموقف الشجاع والمجرد من أي هوى شخصي؛ حين أعلن فخامة الرئيس بوضوح تام أن للدولة دستوراً وافقنا عليه ولن يمسه أحد.
وهذا الإعلان التاريخي بتسليم السلطة في موعدها المقرر على أسس ديمقراطية رشيدة يؤكد أننا أمام قائد عظيم ورئيس تاريخي.
رئيس يُبدي استعداداً تاماً لتسليم السلطة دون تمسك بكرسي الحكم، وتولي قيادة البلاد لشخصية قادرة ومؤهلة متى استدعت المصلحة الوطنية العليا ذلك، إعلاءً لمصلحة مصر واحتراماً لدستورها ووقوفاً صلباً خلف ثوابت الوطن التاريخية.
هذا الإيثار النادر كشف عن زعيم يرى في الكرسي تكليفاً لا تشريفاً، وفي بقاء الدولة واستقرارها الغاية التي تهون دونها كل الغايات.
خاتمة
هكذا تظل مصر دائماً وأبداً الدرع الذي لا يلين، والحضن الذي لا يضيق، والقيادة التي تدرك متى تتقدم الصفوف دفاعاً ومتى تضرب أمثلة النبل والفداء.
قرارٌ جسّد الكرامة، ورئيسٌ روّض المستحيل، وشعبٌ أثبت أنه مهما اشتدت النوبات يظل حارس البوابة وسيد القرار.

التعليقات