بقلم: مصطفى محمد القرشي
في العاشر من أكتوبر 2026، عاشت مطارات المنطقة لحظات من الارتباك بعد اضطرابات أصابت حركة الرحلات الجوية المتجهة إلى مطار الملك خالد الدولي بالرياض، ما دفع وزارة الخارجية السعودية إلى إصدار تنويه عاجل تدعو فيه المواطنين المتأثرين إلى التواصل مع بعثات المملكة في الخارج.
لكن ما تلا هذا الإعلان الرسمي لم يكن مجرد سلسلة من التعليمات الإدارية، بل تحول إلى مشهد إنساني بالغ الدلالة، كشف عن رصيد عميق من المحبة والأخوة بين السعودية وأشقائها في الخليج والعالم العربي، وفي مقدمتهم مصر.
قد تتعثر الطائرات في رحلاتها، وتتوقف حركة المطارات، وتتبدل مواعيد السفر، لكن ثمة ما لا تستطيع الظروف الطارئة تعطيله: مروءة الإنسان حين يستشعر حاجة أخيه، والمحبة حين تتحول من شعور صامت إلى موقف نبيل.
قيادة تجعل الإنسان في مقدمة أولوياتها
البداية الطبيعية لقراءة هذا المشهد تكون من النهج الإنساني الذي تنطلق منه السعودية في رعاية مواطنيها، في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله.
فالدولة التي تجعل الإنسان محور اهتمامها لا تختزل مسؤوليتها في توفير الخدمات داخل حدودها، وإنما تمتد رعايتها إلى مواطنيها أينما وجدوا، وتبقى مؤسساتها حاضرة حين تفرض الظروف الاستثنائية تحديات غير متوقعة.
ومن هذا المنطلق، تأتي جهود وزارة الخارجية السعودية وبعثاتها الدبلوماسية والقنصلية، التي تجسد مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، وتترجم اهتمام القيادة بسلامتهم وطمأنينتهم إلى عمل مؤسسي ملموس.
وهو نهج يتصل كذلك بالحضور الإنساني للسعودية في العالم، وما تضطلع به من أدوار إغاثية وتنموية تتجاوز حدود الجنسية والجغرافيا، انطلاقًا من قيم العطاء والتكافل واحترام كرامة الإنسان.
ويبقى الشكر والتقدير واجبًا لوزارة الخارجية، ولسمو وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، وللسفراء والعاملين في البعثات السعودية الذين يواصلون أداء مسؤولياتهم في خدمة المواطنين ورعاية مصالحهم، عبر منظومة من مراكز الاتصال على مدار الساعة، وفرق ميدانية في المطارات، وتنسيق مباشر مع شركات الطيران لإعادة جدولة الرحلات وتوفير الإقامة المؤقتة لمن تقطعت بهم السبل.
لكن المشهد لم يتوقف عند مسؤولية الدولة؛ فقد أضافت إليه الشعوب بعدًا آخر، لا تصنعه القرارات ولا تفرضه التعليمات، وإنما تصنعه القلوب.
في الخليج.
أخوّة لا تحتاج إلى تعريف.
في دول الخليج العربي، لم تكن مشاعر التضامن مع السعوديين أمرًا طارئًا أو مستغربًا؛ فالروابط بين شعوب الخليج ليست مجرد علاقات جوار، وإنما امتداد تاريخي واجتماعي وإنساني تتداخل فيه الأنساب والمصاهرة والعادات والمصالح والمصير المشترك.
فمجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس عام 1981، لم يكن يومًا إطارًا رسميًا فقط، بل ترجمة مؤسسية لواقع اجتماعي يجد فيه المواطن الخليجي في أي دولة خليجية وطنًا آخر لا يتطلب تأشيرة ولا غربة.
وهنا لا تُقاس الأخوّة بما يُقال في أوقات الرخاء، بل بما يظهر من استعداد للمساندة حين تستدعي الظروف ذلك.
وما شهدته منصات التواصل من دعوات ومشاعر صادقة أعاد التأكيد على أن الخليج، مهما اتسعت مدنه وتنوعت مجتمعاته، ما زال يحتفظ بروح البيت الواحد، حيث يجد الأخ في أرض أخيه ألفة المكان وطمأنينة الانتماء.
إنها قيم متجذرة في الوجدان الخليجي، تتجدد مع كل موقف، وتثبت أن ما يجمع الشعوب أكبر من الحدود التي تفصل بين خرائطها.
وقد برز ذلك في مبادرات عملية عديدة، من بينها عروض من مواطنين خليجيين بالإقامة والضيافة، وتنسيق جمعيات خيرية لمساندة العالقين، وتضامنإعلامي واسع لم ينتظر تكليفًا رسميًا للتحرك.
وفي مصر أم الدنيا.
حين يصبح الوفاء عنوانًا للمروءة.
أما مصر، فقد كان لمشاعر أهلها وقع خاص؛ ليس لأنها جاءت استجابة لظرف عابر، وإنما لأنها أعادت إلى الواجهة صورة مصر التي نعرفها ونحبها: مصر الشهامة والجدعنة وكرم الضيافة، ومصر التي تستطيع أن تختصر معاني المودة في كلمات بسيطة تصل إلى القلب دون استئذان.
ولم تكن مشاعر المصريين مجرد ترحيب تقليدي بضيوف قد تتعثر رحلاتهم، بل ظهر فيها معنى أعمق، هو الوفاء المتبادل الذي تصنعه سنوات العشرة والعمل والجوار، وتحتفظ به ذاكرة الناس طويلًا.
فالأرقام تؤكد حجم هذه العلاقة؛ إذ يُعد المصريون من أكبر الجاليات المقيمة في المملكة، بأعداد تتجاوز الملايين، ويسهمون في مختلف القطاعات: التعليم والصحة والهندسة والتجارة والفنون، كما يحتل السياح السعوديون مكانة متقدمة بين زوار مصر على مدار العام.
فكم من مصري عاش في السعودية وعمل بين أهلها، وكم من سعودي وجد في مصر بيتًا ثانيًا وأهلًا وأصدقاء، وكم من علاقات إنسانية بدأت بزمالة عمل أو جوار سكن، ثم امتدت إلى روابط مودة تتوارثها الأسر والأجيال.
لهذا لم يكن مستغربًا دفء المشاعر المصرية، غير أن عفويتها وصدقها يستحقان التوقف، فهي لا تعكس مجرد كرم ضيافة، بل تختزن تاريخًا من العلاقات الإنسانية التي لا تستطيع الأزمات العابرة محوها.
وقد لامست هذه المواقف وجدان السعوديين، ووجدت صداها في كلمات التقدير والمحبة التي عبّر عنها كثيرون، ومن بينهم صاحب السمو الملكي الأمير عبدالرحمن بن مساعد بن عبدالعزيز، الذي عبّر عن تأثره بما أظهره المصريون من مشاعر نبيلة تجاه أشقائهم السعوديين، مجددًا محبته لمصر وأهلها.
وفي هذا التفاعل المتبادل ما يستحق التأمل؛ فالمحبة حين تُقابل بالمحبة، والوفاء حين يجد من يقدّره، تتحول المواقف العابرة إلى رصيد إنساني يدعم العلاقات بين الشعوب.
ومصر، أم الدنيا، ليست بحاجة إلى مناسبة لنكتشف معدن أهلها؛ غير أن بعض الظروف تمنحنا فرصة لنتذكر ما قد يحجبه عنا صخب الحياة اليومية.
أمة يجمعها ما هو أعمق من السياسة
ولم تكن هذه المشاعر حكرًا على الخليج ومصر؛ فقد امتدت مظاهر التضامن والمودة إلى أشقاء من بلدان عربية أخرى، في صورة تعكس مكانة السعودية في الوجدان العربي والإسلامي، وما يجمع شعوب المنطقة من تاريخ وقيم وروابط إنسانية مشتركة، تتعزز سنويًا بملايين الحجاج والمعتمرين الذين يلتقون على أرضها في مشهد يجسد وحدة المصير.
وهنا تتجلى حقيقة تستحق أن تبقى حاضرة: العلاقات بين الدول تحكمها المصالح والاتفاقيات والسياسات، أما العلاقات بين الشعوب فتحفظها كذلك الذاكرة الإنسانية، والتجارب المشتركة، والمواقف التي لا تنساها القلوب.
ولا يعني ذلك غياب الاختلافات أو تباين وجهات النظر؛ فالاختلاف بين الشعوب أمر طبيعي، لكن الخطأ أن يتحول إلى خصومة دائمة، أو أن تُختزل أمة بأكملها في أصوات قليلة تتصدر المشهد الرقمي.
هل تعكس مواقع التواصل حقيقة الشعوب؟
لعل هذا هو السؤال الأهم الذي تركته تلك المشاهد في النفس.
ففي عالم أصبحت فيه المنصات الرقمية قادرة على تضخيم الخلافات وإيصال الأصوات الأكثر حدة إلى جمهور واسع، قد يتولد انطباع مضلل بأن العلاقات بين الشعوب تعيش توترًا لا ينتهي.
وتشير الدراسات في الإعلام الرقمي إلى أن المحتوى السلبي ينتشر أسرع من المحتوى الإيجابي، وأن أقلية صاخبة قد تبدو وكأنها تمثل الأغلبية، وهو ما يجعل الحكم على شعوب كاملة بناءً على ما يظهر على الشاشات حكمًا غير عادل.
لكن الواقع الإنساني كثيرًا ما يكون مختلفًا.
فحين تظهر الحاجة، تتراجع ضوضاء الحسابات، وتبرز أخلاق الناس على حقيقتها.
وحين يفتح إنسان بيته لأخيه، فإنه يقدم جوابًا عمليًا على محاولات إثارة الفرقة، أبلغ من عشرات الردود والسجالات.
وليس من الإنصاف أن نحاكم شعبًا بتغريدة مسيئة، أو أن نختزل تاريخ علاقة ممتدة في خلاف عابر، أو أن نسمح للأصوات المتشنجة بأن تصادر حق الشعوب في المحبة والاحترام المتبادل.
فالشعوب ليست حسابات إلكترونية، والأوطان ليست وسومًا تتصدر المنصات لساعات ثم تختفي، والعلاقات الراسخة لا تهدمها كلمات عابرة مهما ارتفع ضجيجها.
وإذا كانت المنصات قد منحت البعض مساحة واسعة لبث الفرقة، فإنها كشفت في هذا الموقف وجهًا آخر أكثر جمالًا: قدرة الناس على التعبير عن المحبة، وتبادل الوفاء، وإحياء المعاني التي تجمعهم.
حين تتعثر الرحلات.
تبقى القلوب مفتوحة.
لقد منحتنا هذه الواقعة فرصة للتأمل في معنيين متكاملين: مسؤولية الدولة التي ترعى مواطنيها أينما كانوا، وأصالة الشعوب التي لا تتردد في مد يد العون حين تستشعر حاجة أشقائها.
فالأولى تجسد واجبًا مؤسسيًا تقوم عليه الدولة، والثانية تعكس قيمًا إنسانية لا تُشترى ولا تُفرض، وإنما تنشأ من أصالة المجتمعات وصدق علاقاتها.
ومن هنا، فإن الشكر والتقدير لقيادتنا الرشيدة، ولوزارة الخارجية وبعثاتها، يقابله امتنان صادق لأشقائنا في دول الخليج، ولأهلنا في مصر أم الدنيا، ولسائر الأشقاء العرب الذين عبّروا عن محبتهم للسعودية وأهلها.
لقد تعثرت بعض الرحلات، لكن المروءة لم تتعثر، وتأخرت الطائرات، لكن المحبة لم تتأخر.
وما بدا في ظاهره اضطرابًا في حركة السفر، كشف في جوهره أن الشعوب تحتفظ برصيد من الأخوّة والوفاء أكبر مما توحي به الخلافات المتداولة على الشاشات.
فليست قوة العلاقات بين الشعوب في أنها لا تختلف، وإنما في قدرتها على أن تبقى متحابة رغم الاختلاف، وأن تتذكر ما يجمعها حين يحاول البعض تضخيم ما يفرقها.
ولعل أجمل ما خرجنا به من هذا المشهد أن المطارات قد تُغلق أبوابها مؤقتًا، لكن أبواب القلوب التي تسكنها المروءة لا تغلقها الظروف.
حفظ الله السعودية ومصر ودول الخليج وسائر بلادنا العربية، وأدام بين شعوبها الأمن والمودة والسلام.

التعليقات