الصين ترفع مستوى الجاهزية العسكرية في ظل تحولات النظام العالمي
تشهد الساحة الدولية تحولات استراتيجية متسارعة، إذ وسّعت المؤسسة العسكرية الصينية نطاق تحركاتها في السنوات الأخيرة، في مسعى واضح لترسيخ موقع بكين كقوة عظمى قادرة على إعادة صياغة موازين القوى العالمية.
ولم تعد هذه التحركات مقتصرة على المناورات الدورية أو الاستعراضات الرمزية، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدماً تقوم على الاستعداد الدائم لمواجهة مختلف السيناريوهات المحتملة، وسط ترقب حذر من القوى الكبرى والدول المجاورة على حد سواء.
قانون التعبئة الدفاعية: نقلة تشريعية نحو الجاهزية القصوى
في خطوة تشريعية وصفها المحللون بالحاسمة، أقرت السلطات الصينية قانوناً جديداً يعزز منظومة التعبئة الدفاعية الوطنية، ويمنح الجيش صلاحيات وآليات أكثر سرعة وكفاءة للانتقال من الحالة المدنية إلى حالة الاستعداد القتالي الشامل.
ولا يقتصر أثر هذا التشريع على الجانب العسكري فحسب، بل يمتد ليشمل توظيف موارد الدولة كافة، من الطاقة الإنتاجية والصناعية إلى شبكات النقل والاتصالات والبنية التحتية، بما يضمن قدرة الدولة على الاستنفار الوطني الكامل في غضون فترة زمنية قصيرة عند أي طارئ أمني أو عسكري.
ويرى خبراء الشؤون الأمنية أن هذا القانون يمثل تتويجاً لسلسلة تعديلات قانونية مماثلة اعتمدتها بكين خلال العقد الماضي، كان آخرها تحديث قوانين الأمن الوطني ومكافحة التجسس وقوانين الدفاع المدني، في إطار مقاربة شاملة تهدف إلى دمج القطاع المدني في منظومة الدفاع الوطني.
دوريات جوية وبحرية مكثفة في المناطق الاستراتيجية الساخنة
ولم تقتصر التحركات الصينية على البعد التشريعي، بل رافقها تصعيد ميداني ملموس تجلى في تسيير دوريات عسكرية واسعة براً وبحراً وجواً، تجوب بانتظام مناطق استراتيجية حساسة، أبرزها مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي والمناطق المتاخمة للمياه الإقليمية لعدد من دول الجوار.
وتحمل هذه الدوريات المكثفة رسائل ردع واضحة لكل من يسعى من الأطراف الإقليمية أو الدولية إلى المساس بالسيادة الصينية أو تقويض مصالحها الحيوية، كما تعكس عزماً صينياً على فرض سيطرة ميدانية أكبر على طرق التجارة العالمية والممرات البحرية الرئيسية التي تمر بها نسبة كبيرة من التجارة الدولية، وبينها مضيق ملقا الذي يعد شرياناً حيوياً لاقتصاد بكين ووارداتها من الطاقة.
طفرة لوجستية وتكنولوجية في صفوف جيش التحرير الشعبي
إلى جانب الجانبين القانوني والميداني، تعمل بكين على إحداث نقلة نوعية في بنيتها التحتية العسكرية، من خلال ضخ استثمارات ضخمة لتحديث القدرات اللوجستية، وتطوير سلاسل الإمداد، والاعتماد المتزايد على التقنيات المتقدمة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، وأنظمة القيادة والسيطرة المتكاملة، والأقمار الصناعية، والطائرات المسيّرة، وأسلحة الطاقة الموجهة.
وتهدف هذه التحديثات إلى ضمان تفوق جيش التحرير الشعبي وقدرته على خوض حروب طويلة الأمد بكفاءة عالية، مع تقليل الاعتماد على الإمدادات الخارجية التي قد تتأثر بالعقوبات أو الحصار في حالات المواجهة.
وتُعد هذه الاستثمارات جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي بحلول عام 2035، وتحويل الجيش الصيني إلى جيش “عالمي المستوى” بحلول منتصف القرن الحالي.
دلالات التوقيت: هل تمهد بكين لمواجهة حتمية؟
تضع هذه الاستعدادات المتزامنة المراقبين الدوليين أمام تساؤلات ملحة حول توقيت هذه الخطوات ودلالاتها.
فمن جهة، يمكن قراءتها كإجراءات ردعية دفاعية تهدف إلى ردع أي تدخل خارجي محتمل في الملفات الحساسة، وعلى رأسها قضية تايوان.
ومن جهة أخرى، يرى بعض المحللين أنها قد تشكل تمهيداً لسيناريوهات مواجهة في المستقبل القريب، خصوصاً في ظل التوترات التجارية والتكنولوجية المتصاعدة مع الولايات المتحدة وحلفائها، والتنافس المتزايد على النفوذ في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وفي جميع الأحوال، يبدو أن بكين تسعى إلى إرسال رسالة واضحة مفادها أنها لن تنتظر تحول موازين القوى، بل تعمل على صناعته بنفسها، وهو ما يجعل السنوات المقبلة محطة فاصلة في تحديد ملامح النظام العالمي الجديد.

التعليقات