التخطي إلى المحتوى

بقلم: ناصر السلاموني

في كل عام، تجتمع دول العالم داخل قاعات الأمم المتحدة لتتحدث عن السلام والقانون الدولي وحقوق الإنسان وحماية المدنيين ووقف الحروب وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

كلمات كثيرة تُقال، ومواقف عديدة تُعلَن، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة يبقى معلقًا: ماذا يحدث عندما تنتهي الخطب؟ وهل يستطيع العالم أن يحوّل ما يقوله داخل قاعة الأمم المتحدة إلى واقع ملموس على الأرض؟.

غوتيريش: خطوط الانقسام تتسع والقوة ليست الحكم النهائي

في 22 سبتمبر 2026، ومع افتتاح المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، حذّر الأمين العام أنطونيو غوتيريش من اتساع خطوط الانقسام في العالم، مؤكدًا أن القوة لا ينبغي أن تكون الحكم النهائي في تحديد مصير الشعوب.

ودعا إلى وقف القتال، وإيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق، واحترام القانون الدولي وأوامر محكمة العدل الدولية.

وفيما يتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة، نبّه غوتيريش إلى أن العنف والتهجير والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية يدفعون بعيدًا عن طريق السلام، ويهددون بإضاعة حل الدولتين الذي يُعد الإطار الدولي الأكثر توافقًا لتسوية الصراع.

أردوغان: نظام يربط إرادة 190 دولة بخمس دول لا يبعث على الثقة

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أكثر صراحة في الحديث عن أزمة النظام الدولي، حين انتقد بنية مجلس الأمن، معتبرًا أن نظامًا يجعل إرادة أكثر من 190 دولة مرتبطة بموافقة خمس دول دائمة العضوية لا يبعث على الثقة.

ودعا إلى إصلاح الأمم المتحدة وتطبيق القانون الدولي على الدول القوية والضعيفة على حد سواء، وهو مطلب تجدد طرحه في أكثر من مناسبة خلال السنوات الأخيرة في ظل الانتقادات المتصاعدة لآلية «الفيتو».

العالم العربي: موقف موحد عند منعطف تاريخي

وفي العالم العربي، تصاعدت الدعوات إلى وقف الحرب وحماية الفلسطينيين ورفض التهجير.

وأكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن القضية الفلسطينية تقف عند منعطف تاريخي يحتاج إلى موقف عربي موحد، داعيًا إلى إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان والضم والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، وصولًا إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

كما أكدت مصر، إلى جانب قطر والأردن والإمارات وإندونيسيا وباكستان وتركيا والسعودية، في بيان مشترك صدر على هامش اجتماعات الجمعية العامة، ضرورة إيصال المساعدات الإنسانية إلى غزة دون عوائق، وتمسكها بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، ودعم تنفيذ المسار السياسي المؤدي إلى حل الدولتين.

وإلى جانب البيانات الرسمية، برز دور الوساطة الإقليمية في محاولات تثبيت التهدئة ووقف إطلاق النار وتبادل الأسرى، وهو مسار ظل يواجه تحديات متكررة بسبب تعثر الالتزامات المتبادلة وغياب ضمانات التنفيذ.

صورة القاعة وصورة الميدان

الصورة في قاعة الأمم المتحدة تبدو واضحة: دعوات إلى وقف الحرب، حماية المدنيين، رفض التهجير، احترام القانون الدولي، والحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية.

لكن خارج القاعة، كانت هناك صورة أخرى.

فإسرائيل تواصل فرض وقائع جديدة على الأرض، فيما تتلقى دعمًا سياسيًا ودبلوماسيًا وعسكريًا من قوى كبرى، في مقدمتها الولايات المتحدة، بينما تبدو قدرة المجتمع الدولي على تحويل مواقفه إلى إجراءات مؤثرة محدودة.

ويعود هذا القصور إلى طبيعة مجلس الأمن، حيث يمنح حق النقض أيًّا من الدول الخمس الكبرى القدرة على تعطيل القرارات، وهو ما جعل الاستقرار على الإدانات والبيانات بدلًا من العقوبات والملاحقات أمرًا معتادًا.

الاستيطان وتوسيع مشروع E1

وفي الضفة الغربية، يتواصل التوسع الاستيطاني؛ ففي سبتمبر 2026 أضيفت مناقصة لبناء 2167 وحدة استيطانية إلى مشروع E1، ليصل إجمالي الوحدات في المشروع إلى 3401 وحدة.

ومشروع E1 تحديدًا هو واحد من أكثر المشاريع إثارة للجدل، لأنه يقع في المنطقة الفاصلة بين القدس ومستوطنات «معاليه أدوميم»، ويهدد بقطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وهو ما يقول منتقدوه إنه يقوّض أي إمكانية عملية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

ولا تخفي القيادة الإسرائيلية مواقفها الرافضة لقيام دولة فلسطينية.

فقد سبق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن أعلن رفضه قيام دولة فلسطينية، بالتزامن مع الدفع بمشروع E1، كما ظل هذا الموقف حاضرًا في الخطاب السياسي الإسرائيلي خلال عام 2026، ما يعكس تحولًا في بنية الحكومة الحالية نحو تيارات أكثر تشددًا.

بن غفير: من وزارة الدفاع إلى «فك الارتباط 710»

وهنا تأتي تصريحات إيتمار بن غفير لتزيد المشهد وضوحًا.

ففي 22 سبتمبر 2026، أعلن بن غفير، زعيم حزب «عوتسما يهوديت»، أنه سيطالب بحقيبة وزارة الدفاع في الحكومة المقبلة، وطرح برنامجًا يتضمن تشجيع الهجرة الطوعية للفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، ونزع سلاح السلطة الفلسطينية، وتغيير قواعد إطلاق النار ومدونة السلوك الخاصة بالجيش الإسرائيلي، إلى جانب سياسات تهدف إلى منح الجنود دعمًا أكبر.

ولم يكن الحديث عن إخراج الفلسطينيين من غزة فكرة عابرة؛ ففي 3 سبتمبر 2026 عرض بن غفير خطة أطلق عليها «فك الارتباط 710»، تستهدف، وفق ما أعلنه، تشجيع خروج نحو 250 ألف فلسطيني من غزة خلال السنة الأولى، ونحو 1.11 مليون خلال ثلاث سنوات، وصولًا إلى 1.86 مليون خلال سبع سنوات، تحت مسمى «الهجرة الطوعية».

واللافت أن هذه الأرقام، إن صحت، تتجاوز نصف سكان قطاع غزة، الذين يُقدَّر عددهم بنحو 2.3 مليون نسمة قبل الحرب.

كما أن استخدام وصف «الهجرة الطوعية» لا يغيّر من طبيعة الفكرة، فالنقل القسري للسكان يُصنَّف في القانون الدولي الإنساني — بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة — على أنه جريمة حرب عندما يتم خارج شروط الضرورة العسكرية القصوى أو لأسباب لا تحقق أمن المدنيين ومصلحتهم.

عقوبة الإعدام للأسرى

أما قضية عقوبة الإعدام للأسرى الفلسطينيين، فهي أيضًا ليست منفصلة عن هذا السياق؛ فقد كان حزب بن غفير من الداعمين لقانون أقره الكنيست في مارس 2026 يفرض عقوبة الإعدام في قضايا الإرهاب، فيما تبنى بن غفير نفسه سياسات أكثر تشددًا تجاه الأسرى الفلسطينيين.

وقد أثار القانون اعتراضات حقوقية واسعة محليًا ودوليًا، إذ يرى نقاده أنه يمس الحق في الحياة وفي محاكمة عادلة، وأن تطبيقه استثنائي وغير مسبوق في إسرائيل، كما يُخشى أن يستخدم ورقة ضغط سياسي.

المفارقة الكبرى… والقانون الدولي أمام اختبار القوة

وهنا تظهر المفارقة بأوضح صورها:

في الأمم المتحدة: وقف الحرب، حماية المدنيين، رفض التهجير، احترام القانون الدولي، والحفاظ على حل الدولتين.

وفي الخطاب السياسي الإسرائيلي: رفض قيام الدولة الفلسطينية، تشجيع الفلسطينيين على مغادرة غزة والضفة الغربية، توسيع الاستيطان، وتخفيف القيود المفروضة على استخدام القوة.

المشكلة الحقيقية هي: من يستطيع أن يجعل القانون الدولي أقوى من لغة القوة؟

ولعل هذا هو السؤال الذي يطارد العالم اليوم: ما قيمة أن تقول الأمم المتحدة شيئًا، إذا كان ما يحدث على الأرض يسير في الاتجاه المعاكس؟ وما قيمة أن تتفق عشرات ومئات الدول على مبادئ القانون الدولي، إذا ظلت القدرة على تنفيذ هذه المبادئ مرتبطة بموازين القوة والتحالفات السياسية؟

وبين هذه الأسئلة، يبقى الأمل معلقًا على قدرة المجتمع الدولي على تجاوز مرحلة البيانات إلى مرحلة الإجراءات، وهو اختبار قد يحدد شكل النظام الدولي في العقود المقبلة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *