عودة طبول الحرب إلى إقليم تيجراي
عاد التوتر المسلح ليخيّم من جديد على المشهد الإثيوبي، بعد أن أعلنت السلطات المحلية في إقليم تيجراي أن قواتها المسلحة رُفعت إلى حالة استنفار قصوى، وأنها تخوض ما وصفته بـ”حرب دفاعية” شاملة في مواجهة التحركات العسكرية لقوات الحكومة الاتحادية في أديس أبابا.
ويأتي هذا التطور بعد سلسلة من المناوشات الميدانية المتصاعدة التي أعادت إلى الأذهان فصول الصراع الدامي الذي شهدته المنطقة بين عامي 2020 و2022، وأسفر عن آلاف الضحايا وأزمة إنسانية غير مسبوقة.
خلفية الصراع واتفاق بريتوريا
يُذكّر هذا التصعيد بالحرب التي اندلعت في نوفمبر 2020 بين الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي والقوات الفيدرالية الإثيوبية المدعومة من قوات إقليم أمهرة والجيش الإريتري، والتي انتهت بتوقيع اتفاقية السلام في بريتوريا مطلع عام 2022.
ورغم أن الاتفاق نصّ على وقف الأعمال العدائية ونزع سلاح المقاتلين وإعادة الخدمات الأساسية، إلا أن بنوداً جوهرية بقيت دون تنفيذ، وعلى رأسها الترتيبات الأمنية للحدود المتنازع عليها في منطقة غرب تيجراي، ومصير ملايين النازحين، وهو ما ظل بمثابة جذوة مشتعلة تحت الرماد.
تبادل الاتهامات حول خرق التهدئة
تشهد الجبهات الرئيسية تراشقاً حاداً بالاتهامات بين الطرفين حول المسؤولية عن خرق اتفاقات التهدئة.
وتؤكد قيادات الإقليم أن مقاتليها يتصدون لهجمات واسعة النطاق تستهدف مواقعهم الاستراتيجية، في حين تصف الحكومة الاتحادية هذه الخطوات بأنها تهديد للسيادة الوطنية وتمرد على مؤسسات الدولة.
هذا الاستقطاب يضع البلاد أمام مفترق طرق خطير، خاصة مع غياب قنوات تواصل مباشرة بين الطرفين، وتراجع الثقة في آليات المراقبة الدولية التي أُقرّت بموجب اتفاق بريتوريا.
تداعيات إنسانية وأمنية على المنطقة
تسود حالة من الترقب في الأوساط السياسية الدولية والمحلية، خوفاً من انزلاق الإقليم مجدداً إلى دوامة من العنف المفتوح قد تفاقم الأوضاع الإنسانية الهشة أصلاً.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 5.4 مليون شخص في تيجراي بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة، كما أن مئات الآلاف لا يزالون نازحين خارج منازلهم.
وتزداد المخاوف من أن يؤدي أي تصعيد عسكري جديد إلى قطع ممرات الإغاثة الرئيسية، وتعطيل الخدمات الصحية والتعليمية، وزيادة موجات النزوح نحو السودان والمناطق المجاورة.
أبعاد إقليمية وتداعيات على القرن الأفريقي
لا يقتصر خطر التصعيد على إثيوبيا وحدها، بل يمتد ليطال استقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها، في ظل حساسية التوازنات الجيوسياسية هناك.
فإثيوبيا تلعب دوراً محورياً في مكافحة الإرهاب في الصومال، وتعد شريكاً أمنياً رئيسياً للاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
كما أن أي انفجار جديد للصراع قد يعقّد ملفات حساسة، مثل أزمة سد النهضة والخلاف مع مصر والسودان، في وقت تسعى فيه أديس أبابا لتعزيز مكانتها كقوة إقليمية صاعدة.
هل ينجح الوسطاء الدوليون في احتواء الموقف؟
يبقى السؤال الأبرز حول مدى قدرة الوسطاء الدوليين والإقليميين — وفي مقدمتهم الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الإيجاد (IGAD) — على احتواء الموقف قبل تحوله إلى مواجهة شاملة يصعب السيطرة على تبعاتها.
وقد أعلنت عدد من الأطراف الدولية دعمها للحلول السلمية ودعوتها لضبط النفس، لكن غياب آلية تنفيذ فعّالة للاتفاقات السابقة يقلل من فرص نجاح هذه الوساطات.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الحل المستدام يتطلب معالجة جذور الأزمة السياسية وليس الاكتفاء بالتهدئة المؤقتة، بما في ذلك تسوية ملف منطقة غرب تيجراي، وضمان وصول المساعدات دون قيود، وإطلاق حوار وطني شامل يضم جميع الأطراف.

التعليقات