التخطي إلى المحتوى

حين يخلع الطبيب حذاءه: مشهد يهز ضمير المجتمع

في مشهد يبدو أقرب إلى كوابيس السوق الشعبي منه إلى أروقة المؤسسات الطبية، تحول خلاف مهني بسيط بين استشاري كبير ورئيس قسم في معهد الكبد بالمنوفية وممرضة تعمل تحت إشرافه إلى مأساة إنسانية كاملة.

لم يكتفِ الرجل بمعاقبتها إدارياً أو تهديدها بالشكوى إلى جهات عليا، بل صعد إليها، خلع حذاءه، وانهال به على رأسها، محاولاً خنقها وسط ذهول الحاضرين ورفضه التام لكل محاولات التدخل لإبعاده.

وكل هذا لم يكن بسبب خطأ جسيم أو جريمة تستوجب العقاب، بل لأنها لم ترتعب من تهديده بالشكوى لجهات عليا، وقالت ببساطة: «فلتقل له.

ماذا سيفعل بي؟».

تلك الجملة البسيطة كانت كافية لتفجّر غضباً هائلاً لرجل كان يتوقعها أن تُغمى عليها، أو تسجد على أعتاب مكتبه متوسلة ألا يُبلغ أحداً عن خطئها.

لكنها لم تفعل، فدفعت الثمن جسدياً ومعنوياً.

«انتم ماتعرفوش أنا مين»: صوت القوة الزائفة

صرخ في الحاضرين: «انتم ماتعرفوش أنا مين؟».

والحقيقة أننا عرفنا.

نعم، ربما يكون طبيباً بارزاً في تخصصه، لكنه في الوقت نفسه وقح بدرجة كبيرة.

قد يكون عالماً جهبذاً، لكنه وضيع في سلوكه.

تلقى تعليماً رفيعاً في أعرق الجامعات، لكنه يفتقر إلى أبسط قواعد التربية واللياقة.

يملك علماً، لكنه بلا أخلاق.

تعلم في كبرى كليات الطب، وتخرّج أيضاً من أعرق حواري الردح والسباب التي يخجل منها حتى البلطجية في سوق الماشية أو بائعي التذاكر في مواقف الميكروباص.

من نظريات الإدارة إلى «نظرية الإدارة بالحذاء»

عرف العالم نظريات إدارية رصينة عبر عقود من البحث الفكري والتنظيمي، من الإدارة بالأهداف إلى الإدارة البيروقراطية إلى الإدارة الإنسانية التي وضعها إلتون مايو وأتباع مدرسة العلاقات الإنسانية، ومروراً بنظريات القيادة التحويلية والتشاركية، مروراً بفلسفات الجودة الشاملة التي تستهدف إعلاء قيمة العنصر البشري وتحقيق رضاه داخل بيئة العمل.

لكن يبدو أن معالي الاستشاري الكبير أراد أن يُدخل اسمه إلى موسوعات الإدارة بإنجازه الخاص: «نظرية الإدارة بالقذف بالحذاء».

نظرية لا تحتاج إلى مراجع ولا إلى دراسات ميدانية، يكفي فيها أن تمتلك حذاءً ورقبة، وأن تكون غاضباً من موظف لا يخشاك.

في هذه النظرية الجديدة، يُصبح السؤال ليس «كيف نحقق الأهداف؟» بل «بكم أوبخ مرؤوسي؟»، ويُصبح التقييم السنوي يكتمل بصفعة على الوجه أو رفسة في الصدر.

ظاهرة مستمرة: إهانة الفقراء صارت خبراً ثانوياً

المشكلة ليست في هذا الطبيب وحده، بل في المناخ العام الذي جعل من إهانة الضعفاء أمراً اعتيادياً.

بالأمس القريب، توفي معلم فاضل قهراً وانفطار قلبه بعد أن تعرض للضرب والإهانة داخل مدرسته من قبل وليّ أمر سفيh وشلة من البلطجية.

واليوم، طبيب كبير يضرب ممرضة بحذائه.

يبدو أن الإهانة صارت سلوكاً يومياً يُمر عليه مرور الكرام، كأنه من مستلزمات الحياة الحديثة.

الممرضون والأطباء والمدرسون والعمال والموظفون، هؤلاء جميعاً يشكلون الجهاز العصبي الحقيقي للمجتمع.

وهم أيضاً الفئة التي لا تجد مهناً بديلة عن تلك التي اختارتها كوسيلة للارتزاق والعيش الكريم.

فمن يُهان فيها لا يملك ترف اللجوء إلى وظيفة أرستقراطية، بل يستمر لأنه ببساطة لا يملك بديلاً.

وهذا ما يزيد من ألم الظاهرة وينزع عنها أي شرعية أخلاقية.

آثار نفسية واجتماعية بعيدة المدى

علم النفس التنظيمي يخبرنا أن بيئات العمل التي يحكمها الخوف والتسلط لا تُنتج سوى التوتر والاستنزاف المهني وتراجع الأداء.

فالعنف اللفظي والجسدي من الرؤساء يؤدي إلى اضطرابات القلق والاكتئاب لدى الموظفين، ويرفع معدلات دوران العمل والانقطاع، ويخفض ولاء العاملين وانتماءهم تجاه مهنهم ومؤسساتهم.

والأخطر أن هذه البيئات تُشجّع الآخرين على تقليد السلوك العدواني، ما يُخلق ثقافة تنظيمية مسمومة تستمر أجيالاً.

وفي القطاع الصحي تحديداً، تشير منظمات الصحة العالمية إلى أن العنف ضد العاملين في الرعاية الصحية يمثل تحدياً عالمياً متنامياً، وأن نسبة كبيرة من الأطباء والممرضين يتعرضون لأشكال من الإيذاء اللفظي أو الجسدي خلال مسيرتهم المهنية.

ولأن الممرضات في كثير من البلدان العربية يعملن في ظل تسلسل هرمي صارم وضغوط اجتماعية واقتصادية، فإنهن الأكثر عرضة لمثل هذه الانتهاكات.

لا أحد فوق الغضب: قانون ومسؤولية

لا يعني الانفعال النفسي أو الضغط المهني أن يُمنح الأطباء أو المدرسون أو المدراء إعفاءً أخلاقياً أو قانونياً من محاسبة أنفسهم.

فالاعتداء الجسدي يشكل جريمة بكل المقاييس، ويُوجب المساءلة القانونية وفق دستور الأرض لا وفق ثقافة «سيّدي» و«بيه» و«معالي البروفيسور».

والقانون لا يقبل أن يكون المنصب الطبي مظلة يحتمي بها من يفقد صوابه، ولا أن تكون كلمة «أعتذر» جواز مرور يغسل كل دمعة.

وإذا كان التعامل مع أخطاء العاملين في المستشفيات قائماً على الشكوى والتقييم والمحاسبة، فيجب أن يكون ذلك في إطّر مؤسسي لا في إطار حذاء مرفوع فوق رأس موظف خرج لتوه من وردية شاقة ليعيل أسرته.

نحو مجتمع لا يُباع فيه الكرامة

إن مجتمعاً يُستباح فيه الكادحون وتُهان كرامتهم هو مجتمع آيل للسقوط.

وإن مجتمعاً يدوس فيه القادرون على رقاب الضعفاء، فلا ينتفض غضباً ولا يخرج احتجاجاً، هو مجتمع يمشي في طريقه نحو الانتحار الجماعي، بلا وعي ولا نبض.

لكي لا تستمر هذه الظاهرة، لا يكفي أن نكتب عنها أو نبكي؛ المطلوب أن نحتفي بمن ينتفض ضد الإهانة، أن ندعم النقابات والجهات الرقابية لتتحرك، أن نربي جيلاً جديداً يعرف أن الطبيب ينجو بيده لا بحذائه، وأن الكرامة الإنسانية خط أحمر لا يُعبر فوقه لا بالمال ولا بالمكانة ولا بالمنصب.

وحتى يحدث هذا، سيبقى السؤال معلقاً على كل لسان: ماذا سنفعل ليقيننا بأن العالم أصبح أكثر رحمة، وأن الإدارة لم تعد بحاجة إلى حذاء يوضع على رقبة الضعيف، بل إلى قلب يوضع في خدمة الإنسانية؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *