بقلم د.
هبة المهدي.
في الحروب لا تتحرك القطع العسكرية عبثًا، ولا تُقرأ عودة رئيس دولة كبرى إلى غرفة القرار بعيدًا عن توقيتها، لكن في المقابل لا يجوز أن نحول كل حركة في السماء إلى إعلان حرب.
وبين التهوين والتهويل توجد منطقة واحدة يجب أن يقف فيها التحليل السياسي والعسكري الجاد: ماذا تقول الوقائع؟ وإلى أين يمكن أن تقودنا؟.
عودة ترامب المفاجئة والتصعيد على الرياض
الساعات الأخيرة تحمل بالفعل ما يستحق التوقف.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاد إلى البيت الأبيض قبل الموعد المقرر لانتهاء إقامته في كامب ديفيد، من دون إعلان سبب رسمي، بينما تصاعدت المواجهة بين السعودية والحوثيين، ووصلت الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أهداف في الرياض، بالتزامن مع تحذيرات أمنية أمريكية في المنطقة من احتمالات التصعيد.
وفي الوقت نفسه تسعى الرياض إلى دعم من حلفائها مع تزايد الضغط على منظومات دفاعها الجوي.
حتى هذه اللحظة، ظلت المساعدة الأمريكية المباشرة محدودة، فيما أكدت تقارير أن واشنطن لا تزال حذرة من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية جديدة.
اليمن لم يعد ساحة معزولة
لكن المشهد يصبح أكثر تعقيدًا حين ننظر إلى الخريطة لا إلى الخبر منفردًا.
اليمن اليوم ليس ساحة بعيدة يمكن احتواء نيرانها داخل حدودها.
الحوثيون حققوا تقدمًا على الساحل الغربي وأصبح باب المندب في قلب الصراع، بينما يتعرض أمن الملاحة في البحر الأحمر لضغط متزايد.
وفي الجهة الأخرى من الإقليم، يواجه مضيق هرمز بدوره اضطرابات حادة في حركة السفن.
أي أننا أمام ضغط متزامن على اثنين من أخطر الممرات البحرية في العالم.
هنا لا تعود المسألة يمنية أو سعودية فقط؛ نحن نتحدث عن الطاقة والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد وحسابات القوى الكبرى.
تطور قدرات الحوثيين واقتصاديات المواجهة
يجب أيضًا الوقوف عند طبيعة الطرف الذي تُبحث مواجهته.
لم تعد قدرات الحوثيين محلية الصنع بالمعنى البسيط؛ فالتقارير العسكرية تشير إلى تطوير مستمر في الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة بعيدة المدى، وإلى قدرة على استهداف عمق المملكة ومنشآت نفطية حيوية، كما حدث سابقًا في هجمات أرامكو.
هذا التطور يفرض معادلة جديدة: كل دفاع جوي إضافي يكلف مليارات، بينما تكلفة الطائرة المسيّرة الهجومية قد لا تتجاوز آلاف الدولارات.
وهي مفارقة اقتصادية تعرفها إسرائيل جيدًا، حيث يقدر خبراء أن تكلفة اعتراض صاروخ واحد بمنظومة مثل «حيتس» قد تتجاوز ثلاثة ملايين دولار، مقابل تكلفة زهيدة نسبيًا للصاروخ المهاجم.
هذا التفاوت في الكلفة يجعل استراتيجية «الردع بالدفاع» وحدها غير كافية، ويدفع نحو التفكير في استهداف مصدر التهديد لا اعتراضه فقط.
هل تضرب أمريكا الحوثيين؟ سؤال القدرة والنتيجة
ومن هنا يأتي السؤال: هل تضرب أمريكا الحوثيين؟ عسكريًا، الولايات المتحدة تملك القدرة بالتأكيد.
لكن القدرة على توجيه الضربة ليست هي المشكلة.
السؤال الأصعب دائمًا: ماذا بعد الضربة؟.
يمكن لقاذفة بعيدة المدى أو صاروخ موجه أن يدمر هدفًا خلال دقائق، لكن لا يوجد صاروخ يستطيع وحده أن يضمن شكل المشهد في صباح اليوم التالي.
وإذا جاء الرد باستهداف مصالح أمريكية أو توسيع دائرة التهديد للملاحة، فقد تتحول عملية أُريد لها أن تكون محدودة إلى سلسلة من الردود والردود المضادة يصعب على أي طرف التحكم في نهايتها.
التردد الأمريكي: تفاهم عُمان وسقف الاشتباك
وهنا تظهر مفارقة لافتة.
واشنطن أجرت، وفق تقارير موثوقة، اتصالات مع الحوثيين عبر عُمان، وتلقى الجانب الأمريكي تأكيدات باستمرار تفاهم يمنع استهداف السفن الأمريكية، بينما تظل المواجهة السعودية خارج هذا التفاهم.
وهذا يمنح ترامب سببًا واضحًا للتردد: لماذا يفتح جبهة مباشرة مع طرف يملك معه الآن قاعدة اشتباك تمنع استهداف الأمريكيين؟.
لكن السياسة لا تتحرك بمنطق واحد.
استمرار الضغط على السعودية، وتهديد منشآت الطاقة والممرات البحرية، يمكن أن يرفع تكلفة البقاء الأمريكي خارج المواجهة.
ولذلك يصبح السيناريو الأقرب إلى النقاش ليس بالضرورة حربًا أمريكية شاملة، وإنما مستويات متعددة من التدخل: دعم استخباراتي ودفاعي أكبر، أو عمليات محدودة، أو ضربة محسوبة هدفها استعادة الردع من دون فتح حرب طويلة.
البعد الإيراني: اليمن ساحة أم هدف؟
وهنا يجب أن ننظر أبعد قليلًا… إلى إيران.
التصعيد اليمني يحدث أصلًا داخل بيئة إقليمية شديدة الاشتعال، وفي ظل مواجهة أمريكية إيرانية قائمة وتبادل للتهديدات بين واشنطن وطهران.
ترامب يتحدث عن خياراته تجاه إيران، وطهران تحذر من أن أي هجوم جديد ستكون له تداعيات على المصالح الأمريكية وحلفائها.
لذلك يصبح السؤال المشروع: هل اليمن هو الهدف، أم إحدى ساحات صراع أكبر على شكل ميزان القوة في المنطقة؟.
حسابات لا تغيب عن واشنطن: الصين والخليج وكلفة الانسحاب
لا يمكن فصل هذا المشهد عن الحسابات الأوسع.
فالكثير من حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب مرتبط بتجارة الصين وأوروبا وآسيا، وأي اضطراب طويل في هذين الممرين يرفع أقساط التأمين على السفن وأسعار الشحن، وينعكس على أسعار الطاقة عالميًا.
وإذا انسحبت واشنطن من ضبط هذه المياه، فإن فراغ القوة قد تملؤه قوى أخرى، وهو ما يقوّض أحد أعمدة نفوذها في الإقليم.
بقاء الأسطول الخامس في البحرين وضمان حرية الملاحة يمثلان ركيزة استراتيجية لا تُقاس بمنطق «تكلفة الضربة» وحدها، بل بمنطق «تكلفة الفراغ».
احتمالات قريبة… وحدود يقين التحليل
لا توجد حتى الآن معلومات موثوقة تسمح بالجزم بأن قرارًا بضرب الحوثيين قد اتُّخذ، ولا أن التحركات المتداولة تعني أن ساعة الصفر اقتربت.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن التحليل الاستراتيجي لا يقوم على تحويل الاحتمال إلى معلومة.
ومع ذلك، يمكن رسم نطاق احتمالي واضح لمسار الأيام المقبلة:
- الاحتمال الأول: التدخل المحدود المحسوب. عمليات نوعية ضد منصات الإطلاق والقادة، مصحوبة بتعزيز الدفاع الجوي في السعودية، دون إعلان حرب.
- الاحتمال الثاني: التصعيد بالوكالة. الإبقاء على التفاهم الأمريكي مع الحوثيين، وتكثيف الدعم اللوجستي والاستخباراتي للرياض، مع إدارة الصراع من خلف الستار.
- الاحتمال الثالث: الانفلات غير المقصود. رد حوثي على مصالح أمريكية أو استهداف سفينة أمريكية، يدفع واشنطن إلى مواجهة أوسع كانت تتحاشاها.
- الاحتمال الرابع: التسوية الإقليمية. تفاهم غير مباشر يشمل تهدئة اليمن مقابل ملفات نووية وإقليمية أوسع مع طهران.
قواعد الاشتباك تحت الاختبار
لكن المؤكد أن قواعد الاشتباك نفسها أصبحت تحت الاختبار.
الحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا بقرار يحمل اسم «الحرب».
أحيانًا تبدأ بضربة قيل إنها محدودة، فيأتي رد محسوب، ثم رد على الرد، وبعد عدة جولات يكتشف الجميع أن الخطوط القديمة سقطت وأن مساحة التراجع أصبحت أضيق مما كانت عليه في البداية.
ولهذا ربما يكون السؤال الحقيقي اليوم أكبر من: هل ستضرب أمريكا الحوثيين؟ السؤال هو: إذا سقطت الضربة الأولى، فمن يضمن أين تتوقف الأخيرة؟
فالشرق الأوسط لم يعد يحتمل قراءة كل جبهة بمعزل عن الأخرى.
اليمن وباب المندب والبحر الأحمر والسعودية وإيران ومضيق هرمز أصبحت ملفات متشابكة، وأي خطأ في الحساب قد ينقل المنطقة من إدارة الأزمات إلى أزمة يصعب إدارتها.
وفي عالم كهذا، لا تُقاس قوة الدول فقط بقدرتها على إطلاق النار، وإنما بقدرتها على معرفة متى تطلقه، ولماذا، وكيف ستوقفه.
فالضغط على الزناد قد يستغرق ثانية… أما إعادة الرصاصة إلى مكانها بعد خروجها، فلم يتعلمها أحد بعد.

التعليقات