في رحاب مكتبة الإسكندرية، أحد أعرق الصروح الثقافية في مصر والعالم العربي، احتضن مؤتمر «الهوية الوطنية» جلسات حوارية مكثفة جمعت نخبة من المفكرين والخبراء وأساتذة علم الاجتماع والاقتصاد، بهدف رسم خارطة طريق عملية لحماية الأمن القومي المصري عبر تعزيز تماسك الجبهة الداخلية.
ولم تقتصر المناقشات على الطرح النظري، بل تحولت إلى مختبر أفكار يقدم حلولاً واقعية تلامس احتياجات المواطن المصري وتترجم مفاهيم الانتماء إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
الانتماء يبدأ من الاستقرار المعيشي
أجمع المشاركون على حقيقة جوهرية مفادها أن الشعور بالانتماء لا ينمو في فراغ، بل يتغذى على استقرار الحالة المعيشية للمواطن.
فالإحساس بالعدالة الاجتماعية وتوفر فرص العمل وتحسين مستوى الخدمات الصحية والتعليمية يشكل أرضية خصبة لولاء المواطن لوطنه.
ويرى الخبراء أن تخفيف الأعباء عن كاهل الأسر المصرية، عبر سياسات اقتصادية داعمة للطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل، يمثل حجر الزاوية في بناء جبهة داخلية صلبة قادرة على امتصاص الصدمات ومواجهة أي محاولات خارجية لزعزعة الاستقرار.
وشدد المتحدثون على أن الاستثمار في الإنسان هو أجدى أشكال الاستثمار، إذ إن المواطن الذي يشعر بأن ثمار التنمية تصل إليه يصبح خط الدفاع الأول عن هويته ومقدرات بلده، ويتحول من متلقٍ سلبي إلى شريك فاعل في مسيرة البناء.
دور مؤسسات التنشئة في صياغة الوعي الجمعي
أولى المؤتمر اهتماماً خاصاً بمؤسسات التنشئة الاجتماعية، بدءاً من الأسرة باعتبارها النواة الأولى لغرس القيم، ومروراً بالمدرسة والجامعة ودور العبادة، وصولاً إلى الإعلام بمنصاته التقليدية والرقمية.
ودعا المشاركون إلى تفعيل هذه المنظومة بشكل تكاملي، بحيث تعمل كل مؤسسة على تعزيز قيم المواطنة والانتماء واحترام القانون والتسامح وقبول الآخر.
وأكد الخبراء أن الشراكة المجتمعية ليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل هي منظومة متكاملة تهدف إلى دمج كافة فئات المجتمع — الشباب والمرأة وذوي الإعاقة وسكان المناطق الحدودية — في مسيرة التنمية، مما يعزز جسور الثقة بين المواطن والدولة، ويقطع الطريق أمام دعوات الفوضى والتشكيك في الهوية المصرية العريقة.
الإعلام الرقمي ومعركة الوعي
ناقش المؤتمر تحديات العصر الرقمي وما تفرضه من حرب معلوماتية تستهدف عقول الشباب، إذ باتت منصات التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لترويج الشائعات والأفكار الهدامة.
وأوصى المشاركون بضرورة بناء استراتيجية وطنية للتوعية الرقمية، تشمل تنمية مهارات التفكير النقدي لدى النشء، وتأهيلهم للتمييز بين المعلومة الموثوقة والأخبار المفبركة، إلى جانب إنتاج محتوى وطني جاذب يعبر عن الجذور الحضارية لمصر ويواجه بفاعلية محاولات طمس الهوية.
الهوية كرأسمال استراتيجي
خلص المؤتمر إلى رؤية مفادها أن الهوية الوطنية ليست مجرد إرث تاريخي يُحتفى به، بل هي رأسمال استراتيجي ودرع واقٍ لأمن الدولة.
وتتطلب حمايتها جهداً متواصلاً يجمع بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والتنشئة السليمة والتوعية الإعلامية، في معادلة متوازنة تجعل المواطن شريكاً في القرار ومستفيداً من العائد، وبذلك تبقى الجبهة الداخلية راسخة في وجه كل التحديات.

التعليقات