التخطي إلى المحتوى

تحالف مسلح غير مسبوق يعصف بمشهد إثيوبيا

تشهد إثيوبيا منعطفاً تاريخياً حرجاً مع إعلان سبع فصائل مسلحة تنشط في أقاليم متفرقة عن توحيد صفوفها في تحالف عسكري غير مسبوق، موجه بشكل مباشر ضد حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.

ويعكس هذا التكتل الجديد حالة الغليان الداخلي التي تضرب البلاد منذ سنوات، ويضع مستقبل الاستقرار في إثيوبيا أمام اختبار وجودي قد يعيد رسم خارطة القوى في منطقة القرن الأفريقي بأكملها.

من الخلاف السياسي إلى التكتل الميداني

لم يعد الأمر مجرد خلافات سياسية عابرة، بل تحول إلى تكتل ميداني يضم حركات مسلحة ذات ثقل حقيقي على الأرض، اتفقت جميعها على أجندة موحدة تهدف إلى تقويض نفوذ الحكومة المركزية وإسقاطها.

ويرى المحللون أن هذا التحالف ليس مجرد استعراض للقوة، بل هو محاولة مدروسة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الدولة الإثيوبية، خاصة مع تزايد الضغوط الاقتصادية والتوترات العرقية التي تعصف بالنسيج الاجتماعي منذ وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018.

ويشمل هذا التكتل فصائل تنشط بشكل أساسي في إقليمي أمهرة وتيغراي، إلى جانب حركات مسلحة في مناطق أوروميا وغيرها، ما يمنحه امتداداً جغرافياً واسعاً يجعل التصدي له مهمة معقدة لأي جيش نظامي، حتى لو كان من بين الأكبر في القارة الأفريقية.

أسباب الانفجار: خلفية الأزمة الإثيوبية

لفهم هذا التحالف، لا بد من العودة إلى جذور الأزمة التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة:

  • حرب تيغراي (2020-2022): الصراع الذي دار بين الحكومة الفيدرالية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وأسفر عن خسائر بشرية هائلة واتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة، تاركاً جراحاً عميقة لم تلتئم حتى اليوم.
  • صراع أمهرة: التصعيد المسلح في إقليم أمهرة بين القوات الفيدرالية وميليشيات «فانو» منذ 2023، والذي حوّل الإقليم إلى ساحة مواجهات مفتوحة.
  • الأزمة الاقتصادية: التضخم المرتفع، ونقص العملات الأجنبية، والمديونية الخارجية، وإصلاحات الدعم التي رفعت أسعار الوقود والغذاء، ما فاقم الغضب الشعبي.
  • التوترات العرقية: تصاعد المطالب الانفصالية وانتشار الجماعات المسلحة في أقاليم متعددة، في بلد يضم أكثر من 80 مجموعة عرقية.

مستقبل ضبابي في أديس أبابا

في ظل هذا التصعيد المزدوج، العسكري والسياسي، يجد آبي أحمد نفسه أمام تحدٍ وجودي يهدد تماسك البلاد.

فالتحالف الجديد يفتح الباب أمام سيناريوهات معقدة، قد تتراوح بين صدامات واسعة النطاق في عدة أقاليم، وبين محاولات تفاوض متعثرة، أو حتى انزلاق البلاد نحو حرب أهلية شاملة.

وتزداد المعادلة تعقيداً بالنظر إلى موقع إثيوبيا الاستراتيجي؛ فهي دولة حبيسة تعتمد على جيرانها في المنافذ البحرية، وتستضيف مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، ما يجعل أي انهيار فيها حدثاً ذا تداعيات قارية وليس محلية فقط.

مواقف القوى الإقليمية والدولية

تراقب القوى الإقليمية والدولية الوضع عن كثب، وسط مخاوف من أن يؤدي هذا التحالف إلى انهيار محادثات السلام أو دفع إثيوبيا نحو جولات جديدة من الصراع المسلح.

فدول مثل مصر والسودان وإريتريا تتابع التطورات بحساسية بالغة بسبب ملف سد النهضة والحدود المتنازع عليها، بينما تحاول الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي الضغط نحو مسارات تفاوضية، لكن قدرتها على التأثير تبدو محدودة في ظل انغلاق الحكومة الإثيوبية على نفسها.

السيناريوهات المحتملة

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية أمام المرحلة المقبلة:

  1. التصعيد الشامل: اندلاع مواجهات متعددة الجبهات في أمهرة وتيغراي وأوروميا، ما قد يُنهك الجيش الإثيوبي ويفتح الباب أمام انهيار السلطة المركزية.
  2. التفاوض المشروط: ضغوط دولية وإقليمية تدفع الطرفين إلى طاولة الحوار، مع تقديم تنازلات سياسية قد تشمل حكماً انتقالياً أو توسيعاً للحكم الذاتي.
  3. الجمود الطويل: استمرار المواجهات المحدودة دون حسم عسكري، في ظل استنزاف اقتصادي وبشري متبادل يترك البلاد في حالة من عدم الاستقرار المزمن.

الخلاصة

لم يعد السؤال في إثيوبيا يتعلق بمن سينتصر في هذا الصراع، بل بمستقبل الدولة نفسها وتماسك نسيجها الوطني.

فالتحالف السبعي يشكل اختباراً حقيقياً لآبي أحمد، ومؤشراً على تحول الصراع من أزمة سياسية إلى مواجهة وجودية.

ومع كل يوم يمر، تزداد كلفة أي حل وترتفع مخاطر انزلاق البلاد نحو المجهول، بما ينعكس مباشرة على استقرار القرن الأفريقي بأكمله.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *