التخطي إلى المحتوى

لم تعد خدمات التسهيلات الائتمانية السريعة و«اشتر الآن وادفع لاحقًا» مجرد وسائل لزيادة القدرة الشرائية، بل أصبحت في بعض الحالات بوابة إلى دوامة من الديون المتراكمة إذا غاب التخطيط المالي والرقابة الفعالة.

فالمشكلة لا تكمن في المنتج المالي نفسه بقدر ما تظهر عندما يُستخدم بشكل متكرر لتغطية التزامات سابقة أو لتمويل إنفاق يفوق القدرة الحقيقية على السداد.

تبدأ الأزمة عادةً عندما يلجأ المستهلك إلى أكثر من جهة تمويلية في الوقت نفسه، مثل شركات التمويل الاستهلاكي، وتطبيقات BNPL، ومحافظ الهاتف المحمول، بل وأحيانًا القروض الشخصية قصيرة الأجل.

ومع تتابع الالتزامات الشهرية، تتضخم الأقساط تدريجيًا حتى يصبح الدخل غير قادر على تغطية العبء الكامل، فتتحول المرونة المالية إلى ضغط دائم قد ينتهي بالتعثر.

وتتفاقم هذه الظاهرة في غياب قاعدة بيانات ائتمانية موحدة تربط بين الجهات المصرفية وغير المصرفية، لأن كل جهة قد تمنح تسهيلات دون رؤية كاملة لمستوى التزام العميل.

هذا الفراغ الرقابي يتيح تراكم الديون بشكل غير مرئي تقريبًا، ويجعل المستهلك يظن أنه ما زال قادرًا على الاقتراض بينما تكون قدرته الفعلية قد استُنزفت بالفعل.

ولا يصح اختزال المسألة في جانب أخلاقي واحد أو تحميل المقترض وحده المسؤولية.

فهناك فرق واضح بين من يستدين اضطرارًا لتغطية علاج أو تعليم أو ظرف معيشى طارئ، وبين من ينجرف وراء الحملات التسويقية والعروض السريعة والخوارزميات المصممة لتحفيز الشراء الفوري.

ومع ذلك، يظل الوعي المالي الشخصي خط الدفاع الأول؛ فمراجعة العقد، وفهم الفائدة والرسوم والغرامات، ومراقبة نسبة الاستقطاع من الدخل كلها خطوات ضرورية لتجنب الوقوع في فخ إعادة الاقتراض لسداد قرض سابق.

ومن الأدوات المهمة أيضًا الاستعلام الدوري عن التقرير الائتماني عبر أنظمة مثل I-SCORE، لاكتشاف أي تسهيلات مسجلة باسم العميل مبكرًا، والتعامل معها قبل أن تتفاقم.

كما أن وضع ميزانية شهرية واقعية، وتحديد سقف واضح للإنفاق غير الضروري، والتمييز بين الاحتياج الفعلي والشراء اللحظي، كلها ممارسات تقلل خطر الانزلاق إلى التعثر.

على المستوى المؤسسي، تحركت الدولة عبر البنك المركزي المصري والهيئة العامة للرقابة المالية لتنظيم سوق التمويل الاستهلاكي، من خلال قواعد تشمل الترخيص والحوكمة والعقود والإفصاح والتسويق وحماية العملاء، استنادًا إلى القانون رقم 18 لسنة 2020.

وهذه الخطوات تمثل أساسًا مهمًا لضبط السوق، لكنها تحتاج إلى استكمال عبر أدوات عملية تمنع التوسع غير المنضبط في التمويل المتعدد.

ومن بين الحلول المطروحة أيضًا تطوير الهوية المالية الرقمية ومنصات التحقق الموحدة مثل «هوية»، بما يساعد على بناء سجل ائتماني أكثر شمولًا يغطي الجانبين المصرفي وغير المصرفي.

هذا النوع من التكامل يحد من منح تسهيلات متوازية لعميل واحد دون تقييم دقيق لإجمالي التزاماته.

أما الخروج المستدام من الأزمة فيتطلب مسارات متعددة، منها إعادة هيكلة الديون للمتعثرين، وجدولة الأقساط بطريقة عادلة، أو إتاحة شراء المديونية من جهة تمويلية جديدة بشروط أكثر وضوحًا وأقل ضغطًا، مع الالتزام بعدم تجاوز نسبة الاستقطاع الآمنة من الدخل.

كما يمكن دعم الحالات الحرجة، خاصة المرتبطة بالصحة أو التعليم أو السكن، ببرامج تمويل ميسرة بالتعاون بين البنوك والجمعيات الأهلية والجهات الرسمية.

وتبقى التوعية عنصرًا حاسمًا في الوقاية.

فإطلاق حملات إرشاد مالي قبل توقيع العقود، وتوفير أدوات محاكاة بسيطة لحساب التكلفة الكلية والتأخير، وربط بعض التسهيلات باختبارات وعي مبسطة، يمكن أن يقلل كثيرًا من القرارات الاندفاعية.

كما أن نشر دليل عملي لحقوق المستهلك وتعزيز المحتوى التثقيفي عبر منصات الدولة والبنوك قد يحول الاستدانة من فخ متنامٍ إلى أداة مالية أكثر أمانًا واستدامة.

وبذلك يمكن تحويل «كرة الثلج» المالية إلى مسار أكثر انضباطًا يحمي الأسرة من التعثر، ويحافظ في الوقت نفسه على استقرار سوق التمويل الاستهلاكي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *