التخطي إلى المحتوى

في تحذير غير مسبوق، أطلقت منظمات دولية وهيئات إقليمية كبرى صافرات الإنذار بشأن خطر وبائي داهم يلوح في أفق منطقة شرق إفريقيا، وفي مقدمتها إثيوبيا، على خلفية الاحتمالات الواسعة لتفشي وباء «حمى الوادي المتصدع» الخطير، الذي يجد في التغيرات المناخية والتقلبات الجوية الأخيرة بيئة خصبة للانتشار السريع، مهدداً صحة ملايين المواطنين والثروة الحيوانية في المنطقة.

ظاهرة النينيو.

كلمة السر وراء الكارثة الوبائية

أوضحت التقارير الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» بالتنسيق مع الهيئة الحكومية للتنمية «إيجاد»، أن الظواهر المناخية العنيفة المرتبطة بتأثيرات ظاهرة «النينيو» لعبت دوراً رئيسياً في تهيئة الظروف الملائمة لتكاثر النواقل الحشرية الناقلة للمرض.

وأشارت الجهات المعنية إلى أن الأمطار الغزيرة والفيضانات التي ضربت أجزاء واسعة من القارة السمراء مؤخراً ساهمت بشكل مباشر في تضاعف أعداد البعوض والحشرات، مما ينذر بكارثة صحية وبيئية وشيكة إذا لم يتم اتخاذ تدابير احترازية عاجلة.وتفسر الآلية العلمية هذا الخطر؛ إذ تتكاثر أنواع البعوض الناقلة للفيروس في برك المياه الراكدة التي تخلفها الأمطار الغزيرة والفيضانات، فتقترب من التجمعات البشرية والحظائر الحيوانية، مما يرفع فرص نقل العدوى بشكل هائل.

ويشير الخبراء إلى أن دورات النينيو المتكررة باتت تُنتج ما يسمى بـ«نوافذ الانتشار الوبائي»، وهي فترات زمنية حرجة تتضاعف فيها أعداد الحشرات الناقلة قبل ظهور الحالات البشرية بأسابيع قليلة، ما يوفر فرصة ذهبية للتدخل المبكر قبل وقوع الكارثة.

إثيوبيا وخمس دول إفريقية في دائرة الخطر

ولم تقتصر التحذيرات الأممية على الأراضي الإثيوبية وحدها، بل امتدت لتشمل خمس دول أخرى متجاورة في الإقليم ذاته، حيث تواجه المنظومات الصحية في هذه الدول تحديات جسيمة في مواجهة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان.

ويعتبر فيروس «حمى الوادي المتصدع» من الأمراض الحيوانية الخطيرة التي تنتقل بسهولة إلى البشر عبر ملامسة السوائل الحيوانية المصابة أو عن طريق لدغات الحشرات، مما يضع السلطات المحلية في سباق مع الزمن للسيطرة على بؤر الإصابة المحتملة وحملات التطعيم الواسعة للماشية قبل خروج الوضع عن السيطرة.وتُصنِّف منظمة الصحة العالمية هذا الفيروس ضمن مسببات الأمراض ذات الأولوية في الأبحاث الوقائية، نظراً لقدرته على التحور وسرعة انتقاله بين الحيوانات والبشر.

ويتراوح معدل الوفيات بين الحالات البشرية المصابة بين 1% في الحالات الخفيفة إلى نحو 50% في الحالات الحادة التي تصل إلى مضاعفات نزفية، بحسب تقارير سابقة لتفشيات مماثلة في القارة.

أما الماشية — ولا سيما الأغنام والأبقار — فتشهد معدلات نفوق مرتفعة بين صغار الحيوانات، ما يضاعف الخسائر الاقتصادية للرعاة والمزارعين ويضرب أمنهم الغذائي بشكل مباشر.كما تزيد التحديات الهيكلية المرتبطة بضعف البنية التحتية الصحية في بعض المناطق، وتداخل الحدود الجغرافية وسهولة تنقل المواشي عبر المسارات الرعوية، من تعقيد المشهد، إذ أن أي بؤرة إصابة في دولة واحدة قد تمتد إلى جاراتها خلال أيام فقط.

دعوات دولية لخطط طوارئ عاجلة ومراقبة وبائية دقيقة

في ظل هذا الوضع المقلق، دعت المنظمات الدولية حكومات الدول المتضررة إلى رفع درجة الاستعداد القصوى وتفعيل غرف العمليات للرصد والتقصي الوبائي، إلى جانب إطلاق حملات توعية مكثفة للمزارعين ورعاة الملايين من رؤوس الحيوانات لتجنب التعرض للمخاطر.

وتؤكد الجهات الرقابية أن التدخل السريع والاستباقي هو السلاح الوحيد لمنع تحول هذا التهديد المناخي إلى وباء مدمر يجتاح القارة ويخلف خسائر بشرية واقتصادية فادحة.وتتضمن التوصيات الدولية المطروحة تعزيز أنظمة الترصّد المبكر للأمراض الحيوانية، وتأمين مخزونات كافية من اللقاحات البيطرية، وتدريب الفرق الميدانية على التعامل الآمن مع الحيوانات المصابة ومخلفاتها، إضافة إلى تكثيف برامج مكافحة النواقل الحشرية في مناطق التجمعات الرعوية، وتشجيع التعاون العابر للحدود بين دول الإقليم لتبادل البيانات الوبائية والإنذارات المبكرة.ويبقى الدرس الأهم الذي يفرض نفسه هو أن العلاقة بين المناخ والصحة لم تعد نظرية بعيدة، بل باتت واقعاً ملموساً يفرض على الدول استراتيجيات استعدادية تستبق الكوارث بدلاً من مجرد الاستجابة لها بعد وقوعها، فالتغير المناخي لم يعد قضية بيئية فحسب، بل أصبح محدداً رئيسياً للأمن الصحي والإنساني في القارة الإفريقية بأكملها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *