في خطوة تعزز من قوة الموقف المشترك، سلط خبراء السياسة الضوء على الأهمية البالغة للتقارب الأخير بين القاهرة والخرطوم، مؤكدين أن التحديات الراهنة تفرض تعاوناً وثيقاً وغير مسبوق لحماية الحقوق التاريخية في مياه النيل ومواجهة الأزمات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي.
دلالات التحرك المشترك بين مصر والسودان
أوضح الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية البارز بجامعة القاهرة، في قراءته للمشهد الإقليمي الحالي، أن البيان المشترك الصادر عن البلدين يعكس إرادة سياسية حقيقية لتوحيد الرؤى والصفوف.
وأشار إلى أن اللقاءات المكثفة التي جمعت وزراء الخارجية ومسؤولي الري في العاصمتين تعكس حجم المخاطر والتحديات الماثلة أمام الأمن المائي العربي والإفريقي.
ويأتي هذا التقارب في إطار تاريخ طويل من التنسيق بين البلدين حول ملف مياه النيل، حيث ظلت القاهرة والخرطوم تتشاركان الموقف نفسه في مواجهة المشاريع أحادية الجانب التي تمس الحقوق المائية، انطلاقاً من اتفاقيات 1929 و1959 التي تنظّم الحصص المائية للدولتين.
وتعتبر مصر والسودان أن هذه الاتفاقيات تشكل الأساس القانوني والتاريخي لأي ترتيبات مستقبلية حول النهر.
استراتيجيات جديدة للتعامل مع ملف السد الإثيوبي
وأضاف الخبير السياسي أن التنسيق المستمر بين البلدين الشقيقين لم يعد ترفاً دبلوماسياً، بل أصبح ضرورة ملحة لضمان عدم الإضرار بمصالح الشعبين المصري والسوداني.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه الدبلوماسية المصرية جهودها المكثفة على كافة الأصعدة الإقليمية والدولية لإيجاد حلول عادلة ومستدامة تلزم كافة الأطراف بقواعد القانون الدولي المتعلقة بالأنهار الدولية.
وتعتمد الاستراتيجية الجديدة على عدة محاور متكاملة، أبرزها تعزيز التعاون الفني بين وزارتي الري في البلدين لتبادل البيانات والمعلومات حول معدلات تدفق المياه، وتطوير آليات إنذار مبكر لمواجهة أي انخفاض محتمل في مناسيب النيل، إضافة إلى تنسيق المواقف في المحافل الإقليمية والدولية ومنها الاتحاد الأفريقي ومجلس الأمن، والتوسع في مشروعات البنية التحتية المشتركة وشبكات الربط الكهربائي.
ويرى مراقبون أن وحدة الموقف المصري السوداني تمنح البلدين ثقلاً تفاوضياً أكبر في أي مفاوضات مقبلة، إذ تعمل على تفادي استغلال أي فجوة بين الجانبين، وتضع قضية الأمن المائي ضمن أولويات الأجندة الدولية باعتبارها قضية استراتيجية مرتبطة بالأمن القومي والاستقرار الإقليمي وليس مجرد ملف فني.
وتشير التقديرات إلى أن نحو 97% من الموارد المائية المتجددة في مصر تعتمد على نهر النيل، ما يجعل أي تأثير على حصتها المائية مسألة وجودية تمس الأمن الغذائي والمائي لأكثر من مئة مليون نسمة، وهو ما يفسر استمرار التحركات الدبلوماسية المصرية على مدار السنوات الماضية سعياً للوصول إلى اتفاق ملزم وعادل يضمن حقوق جميع الأطراف.
وتؤكد هذه التطورات أن التنسيق المصري السوداني بات ركيزة أساسية للتعامل مع التحديات المائية المشتركة، وأن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من التنسيق الوثيق في إطار الحفاظ على الحقوق التاريخية وحماية مصالح الشعبين.

التعليقات