معضلة سياسية تعيد إسرائيل إلى نقطة الصفر
عادت الساحة السياسية في إسرائيل إلى حالة من الترقب المشحون بعد أن أعلنت لجنة الانتخابات المركزية نتائجها النهائية لفرز الأصوات، لتكشف عن مشهد سياسي معقد يتسم بغياب الحسم، فلا غالب ولا مغلوب على نحو قاطع.
هذه النتيجة تضع مستقبل الحكومة القادمة على صفيح ساخن، وتفتح الباب أمام تساؤلات مصيرية حول كيفية الخروج من مأزق دستوري وسياسي أصبح سمة متكررة في المشهد الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة.
نتنياهو بين فكي الرحى: لا نصر حاسم ولا هزيمة قاصمة
تشير الأرقام الرسمية الصادرة عن لجان الفرز إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وجبهته السياسية لم يتمكنا من تأمين الأغلبية المريحة (61 مقعداً من أصل 120) التي تسمح بتشكيل حكومة مستقرة منفردين، وفي الوقت ذاته فشلت المعارضة في توجيه ضربة قاضية تنهي مشواره السياسي.
وهكذا يجد “زعيم اليمين” نفسه في منطقة رمادية يعجز فيها عن الحسم، لكنه يحتفظ دائماً بأدوات المناورة والبقاء تحت الضغط.
ويعكس هذا التوازن الهش حقيقة بنيوية في النظام السياسي الإسرائيلي، حيث أصبحت كتلة اليمين والكتلة المعارضة متقاربتين في الحجم إلى حد كبير، ما يجعل كل مقعد برلماني حاسماً، ويمنح الأحزاب الصغيرة، لا سيما الحريدية والعربية، نفوذاً غير مسبوق في تحديد هوية الحكومة القادمة.
عتبة الحسم والتكلفة الباهظة للجولة الثالثة
مع تعقيد المشهد الانتخابي، تبحث الأوساط السياسية في تل أبيب عن مخرج قانوني أو تسوية ائتلافية تجنب البلاد ويلات جولة انتخابية جديدة، قد تكون تكلفتها باهظة على الاقتصاد والاستقرار الداخلي.
فالجولات الانتخابية المتكررة استنزفت الخزينة العامة بمليارات الشواكل، وأربكت موازنات الصحة والتعليم والبنية التحتية، وأضرت بثقة المستثمرين وبتصنيف إسرائيل الائتماني.
ويبدو أن تشكيل حكومة وحدة وطنية واسعة، أو الارتكان إلى حكومات ائتلافية هشة، هما الخياران الأكثر طرحاً على الطاولة، وسط شروط صعبة يفرضها الحلفاء المتشددون على نتنياهو الذي يحارب على جبهات عدة للحفاظ على مستقبله السياسي، أبرزها القضايا المتعلقة بالإصلاح القضائي وملف التجنيد وملفات الأمن والاستيطان.
المهلة الرئاسية والخريطة الدستورية لتشكيل الحكومة
وفقاً للقانون الإسرائيلي، يكلف رئيس الدولة أحد أعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة بعد مشاورات مع ممثلي الكتل، ويمنحه مهلة 28 يوماً قابلة للتمديد 14 يوماً إضافية.
وإذا فشل المكلف في جمع أغلبية 61 صوتاً، يمكن لرئيس الدولة تكليف عضو آخر من الكنيست، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، بدءاً من حكومة تناوب وصولاً إلى تفعيل المادة التي تتيح للكنيست نفسه تكليف أحد أعضائه بأغلبية بسيطة.
وتزداد التعقيدات بسبب الانقسام الحاد داخل معسكر اليمين حول شخص نتنياهو وملف محاكمته، وبسبب تصلب الأحزاب الشريكة في مطالبها التمويلية والتشريعية، ما يجعل أي ائتلاف محتمل عرضة للانهيار في أي لحظة.
انعكاسات داخلية وإقليمية للجمود السياسي
لا يقتصر أثر هذا الجمود على الداخل الإسرائيلي وحده، بل يمتد إلى الملفات الإقليمية والدولية.
فحكومة انتقالية أو ضعيفة تحد من قدرة تل أبيب على اتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة، سواء في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، أو بالتطبيع مع دول المنطقة، أو بإدارة الملف الفلسطيني.
كما أن حالة عدم الاستقرار تؤثر في العلاقات مع الإدارة الأميركية التي تفضل شريكاً حكومياً واضح الصلاحيات.
خلاصة: ديمقراطية بلا حسم ومستقبل معلق
يبدو أن إسرائيل باتت تواجه أزمة حكم بنيوية تتجاوز نتائج انتخابات بعينها، إذ تحول التشرذم الحزبي والاستقطاب الأيديولوجي إلى عقبة أمام أي استقرار سياسي طويل الأمد.
والسؤال المطروح اليوم: هل يفلت نتنياهو مجدداً من فخ الانتخابات بحيلة ائتلافية جديدة، أم أن هذا المأزق سيفتح صفحة سياسية مختلفة في تاريخ الدولة العبرية؟.

التعليقات