مصر وإدارة 123 مليار متر مكعب من المياه: معادلة صعبة بين ثبات الحصة وتزايد الاحتياجات
في ظل التحديات المائية المتصاعدة التي تواجهها الدولة المصرية، كشفت وزارة الموارد المائية والري عن بيانات جوهرية تعكس حجم الجهد الوطني المبذول لتعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه.
فالدولة تنجح في إدارة ما يقارب 123 مليار متر مكعب من المياه سنوياً، رغم ثبات حصتها التاريخية المحدودة من نهر النيل عند نحو 55.5 مليار متر مكعب، وهو ما يعني أن أكثر من نصف المياه المُدارة يأتي من مصادر غير تقليدية وإعادة استخدام.
وتعتمد المنظومة المصرية على إدارة ذكية ومتكاملة تستهدف تلبية الاحتياجات المتزايدة للقطاع الزراعي، الذي يستهلك النسبة الأكبر من الموارد المائية، مع حماية الأمن الغذائي للمواطنين وضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة.
سر الفجوة المائية ودور مشروعات إعادة التدوير
أكد مسؤولو الوزارة أن الدولة لم تقف مكتوفة الأيدي أمام العجز بين الحصة المتاحة والاحتياجات الفعلية التي تتجاوز بكثير الموارد المتجددة، بل اتجهت بقوة نحو مشروعات المعالجة الثنائية والثلاثية لمياه الصرف الزراعي والصحي.
وقد لعبت المحطات الكبرى دوراً محورياً في سد هذه الفجوة، وعلى رأسها:.
- محطة بحر البقر في سيناء، التي تُعد من أكبر محطات معالجة المياه في العالم، وتستهدف معالجة ملايين الأمتار المكعبة يومياً لإعادة استخدامها في زراعة نحو 456 ألف فدان.
- محطة الدلتا الجديدة (الحمام)، التي تعالج مياه الصرف الزراعي لتوفير المياه لمشروعات الاستصلاح في الدلتا الجديدة.
- محطة المحسمة التي تُسهم في إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي في سيناء.
وتتيح هذه المحطات إعادة توجيه ملايين الأمتار المكعبة لزراعة الأراضي الجديدة المستصلحة، وتوفير محاصيل استراتيجية تدعم الاقتصاد القومي وتخفف من الأعباء المعيشية على المواطنين، بدلاً من إهدار هذه المياه في المصارف والبحر.
تأمين الأمن الغذائي وجهود ترشيد الاستهلاك
تأتي هذه الخطوات الاستباقية في إطار استراتيجية قومية شاملة يتبناها قطاع المياه في مصر، والتي لا تقتصر على مشروعات المعالجة الهندسية العملاقة، بل تمتد لتشمل حزمة من الإجراءات المتكاملة:
- تأهيل الترع والمصارف عبر المشروع القومي لتأهيل الترع، الذي يستهدف تقليل الفاقد من المياه الناتج عن التسريب والتبخر وتحسين كفاءة التوصيل.
- التحول إلى نظم الري الحديثة مثل الري بالتنقيط والري بالرش، لتقليل استهلاك المياه في الزراعة ورفع إنتاجية الفدان.
- التحول الرقمي في إدارة المياه من خلال منظومات المراقبة والتحكم الآلي في شبكات الري، والقياس الدقيق للاستهلاك.
- حماية السواحل والمياه الجوفية عبر مشروعات الحماية من أخطار السيول وإدارة الخزان الجوفي.
تسعى الحكومة من خلال هذه السياسات إلى ضمان استدامة الموارد المائية، مع الحفاظ على كفاءة الأراضي الزراعية القائمة ورفع إنتاجيتها لمواجهة الزيادة السكانية المستمرة، ومواجهة التغيرات المناخية التي تزيد من حدة الضغوط على الموارد.
التحديات المستقبلية وسبل المواجهة
ورغم هذه الجهود، تبقى هناك تحديات حقيقية، أبرزها الفقر المائي المزمن الذي تعاني منه مصر، حيث يقل نصيب الفرد السنوي عن 500 متر مكعب، وهو ما يضعها تحت خط الفقر المائي المطلق.
كما تضيف التأثيرات المناخية وتحديات سد النهضة ضغوطاً إضافية تتطلب حلولاً مبتكرة.
وفي هذا السياق، تتوسع الدولة نحو مصادر مياه إضافية، مثل تحلية مياه البحر لتوفير مياه الشرب في المدن الساحلية، وحصاد مياه الأمطار والسيول، إلى جانب التوسع في إعادة استخدام المياه، وكلها ركائز أساسية لتحقيق أمن مائي مستدام يحمي الأمن الغذائي القومي.

التعليقات