في مشهد انتخابي مشحون بالتوتر، وقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام حشد من أنصاره في مقر حملة الليكود بالقدس المحتلة، بعد لحظات من إغلاق صناديق الاقتراع.
لم يكن هذا الظهور مجرد إعلان نتائج عادية، بل جاء ليحمل رسائل سياسية واستراتيجية تعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة في إسرائيل، وسط تحديات إقليمية ودولية متسارعة.
استراتيجية الأغلبية الصريحة: إقصاء القوائم العربية
خلال كلمته أمام جمهور الليكود، أغلق نتنياهو الباب أمام أي سيناريو لتحالفات تقليدية، مؤكداً أن حزبه يسير نحو فوز مدوٍ يمنحه «أغلبية حاسمة» تسمح له بتشكيل الحكومة دون الحاجة إلى التفاوض أو المساومة مع القوائم العربية في الكنيست.
هذا التوجه يعكس تحولاً في الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، حيث يُعادل نتنياهو بين الاستقرار الائتلافي وتقليص نفوذ الأحزاب العربية التي كثيراً ما أدّت دور «بيضة القبان» في المجالس السابقة.
ويرى محللون أن هذه الخطوة تخدم عدة أغراض متزامنة: تثبيت قاعدة اليمين المتطرف، وتضخيم خطاب الشرعية بالكامل داخل الوسط الإسرائيلي، وتقليل الكلفة السياسية التي كان يفرضها التعامل مع القوائم العربية على أي حكومة يُفترض أنها مستمرة.
الملف الإيراني: ورقة إدارة ترامب في قلب المعركة
لم يكتفِ نتنياهو بالبعد الداخلي، بل وظّف البعد الإقليمي والدولي في خطابه بكثافة، مشيراً إلى أن حكومته ماضية في خططها للتعامل مع الملف النووي الإيراني بحزم غير مسبوق.
وأكد أن الدعم السياسي والعسكري المتوقع من الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب يمنح تل أبيب هامش حركة أوسع لتقويض ما يصفه بـ«التهديد الوجودي الإيراني»، وهو خطاب وجد صدى واسعاً لدى القاعدة الانتخابية اليمينية التي تتبنى المواقف الأمنية المتشددة.
وفي هذا السياق، تتزايد الأسئلة حول الكيفية التي قد يتعامل بها نتنياهو مع تغييرات الموازين الإقليمية، خاصة مع استمرار النقاشات حول البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية، وملفات الدعم العسكري والاستخباراتي التي تُشكّل ركيزة في العلاقات الأمريكية–الإسرائيلية منذ سنوات.
ما وراء النتائج: ماذا يعني هذا التوجه للمشهد السياسي؟
يحمل هذا المسار ثلاث دلالات رئيسية.
الأولى هي تعميق الاستقطاب الداخلي في إسرائيل وحصر التشكيل الحكومي في أطياف اليمين، وهو ما قد يعقّد العلاقة بين الحكومة والمناطق ذات الكثافة العربية.
والثانية هي تعزيز خطاب «الاستقلال السياسي» أمام الرأي العام الداخلي، بتقديم صورة حكومة لا تعتمد على شركاء «غير مرغوب فيهم».
أما الدلالة الثالثة فهي الاستعداد لمزيد من التصعيد الدبلوماسي والأمني تجاه إيران، مع الاعتماد على مظلة أمريكية تمنحها مزيداً من الشرعية.
خلاصة المشهد
ما بين ظهور انتخابي بثقة عالية أمام جمهور الليكود، وخطاب يربط بين الأغلبية الداخلية والغطاء الأمريكي، يقدّم نتنياهو نفسه كرجل المرحلة التي يريد تصميمها على مقاسه، في وقت تبقى فيه الكرة في ملعب الناخب الإسرائيلي والإقليم الذي يراقب هذه التحولات بعين يقظة.

التعليقات