التخطي إلى المحتوى

بقلم: د.

ليلى الهمامي.

يقدّم الإخوان في دفاعهم المستميت عن «ديمقراطيتهم» حججاً متهافتة، لا تصمد أمام أدنى فحص نقدي، لأن منطلقاتهم الفكرية أوضح من أن تحتاج إلى تأويل.

فحين يلغي الدين — بحسب تصورهم — كل إمكانية للفصل بين المقدّس والسياسي، فإن تبنّي المرجعية الدينية أساساً لبناء هذه الجماعة وتوجيه فعلها السياسي إنما يُضمر سوء نية مبيّتة، ويكشف عن تناقض جوهري بين الخطاب والممارسة.

بمعنى أدق: الديمقراطي الحق مطالب بأن يستبعد كل مرجعية دينية من فعله السياسي ومن تمشّيه الفكري، وهذا ما لا يفعله الإخوان، بل سلكوا على مدى تاريخهم مساراً معاكساً تماماً؛ إذ راهنوا على ترهيب الخصم بتوظيف المقدّس الديني، وبالاستناد إلى وعي اجتماعي مُفقّر ومجرّد من مقومات العقلانية والتفكير النقدي.

وقد تحقّق ذلك فعلاً في مصر وتونس والمغرب والجزائر وأينما حلّوا وارتحلوا.

فهم في كل ساحة حلّوا فيها باشروا التكفير، واستهدفوا من خالفهم الرأي، ودفعوا نحو عنف طائفي شنيع.

والذاكرة الجماعية لا تنسى تكفيرهم للأستاذ محمد الشرفي في تونس، والأستاذ فرج فودة في مصر الذي دفع حياته ثمناً لآرائه، كما لا تنسى الاغتيالات التي طالت في لبنان حسين مروة ومهدي عامل، وغيرهم من المفكرين الأحرار.

وحتى الروائي المصري الحاصل على جائزة نوبل للآداب لم يسلم من إرهابهم، حيث حاولوا اغتياله أكثر من مرة، وهو ما يبيّن أن استهدافهم لم يكن عارضاً بل نهجاً ثابتاً.

فرضيات أساسية

يتأسّس هذا الطرح على فرضيات أساسية: أولاً، أن الديمقراطية نظام إجرائي وقيمي يقوم على الفصل الصارم بين الدين والدولة، ويصون حرية المعتقد والمعارضة.

ثانياً، أن توظيف المقدّس في الصراع السياسي يحوّل الخصم من خصم سياسي إلى «كافر»، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه للعنف.

ثالثاً، أن غياب التربية النقدية والوعي العقلاني في بعض السياقات الاجتماعية يسهّل استغلال الجماعات الدينية لهذه الثغرة لتبرير العنف باسم الدين.

تجارب مقارنة

تشهد دول عربية عدة على هذه الظاهرة، فتكرّرت سيناريوهات التكفير والاستهداف عند الإخوان في مصر وتونس والمغرب والجزائر ولبنان، مما يدل على أن نمط العنف عندهم ليس حالة استثنائية لنظام خاص، بل ثيمة بنيوية في خطابهم وممارستهم.

ولقد دفع دفعاً من المفكرين والأدباء أرواحهم ثمناً لجرأة التعبير عن الرأي المخالف، وهو ما يجسّد بوضوح النتائج الكارثية لخلط المقدّس بالسياسي.

خلاصة

«ديمقراطية» الإخوان حمّام دم؛ فهي ديمقراطية تتنكّر لعقلانيتها ومبادئها، وتستمدّ وجودها من التهديد والتخويف وإقصاء الآخر.

وكل خطاب يدّعي الدفاع عن الحرية والتعددية بينما يوظّف الدين للتكفير والاستئصال هو خطاب متناقض، لا يمكن أن يُنتج إلاّ ثقافة القتل والاستبداد.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *