التخطي إلى المحتوى

بقلم: د.

ليلى الهمامي.

في خضمّ التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تواترت إليّ ملاحظات عديدة من أصدقاء ومتابعين يسألون عن موقفي من الإسلام السياسي، وعن أسباب تشديدي عليه، وعن الكيفية التي ينبغي أن نتعاطى بها مع هذا المعطى داخل الساحة العامة.

ولأنّ الأسئلة تتكرر وتستدعي جواباً واضحاً لا لبس فيه، أجد من الضروري أن أعيد ترتيب أفكاري وأطرحها هنا في صيغة متماسكة.

الموقف: معارضة صريحة لا مواربة فيها

قلتُ وأسلفتُ في أكثر من مناسبة، وأكرر اليوم، أنّني أعارض الإسلام السياسي، بل إنّني أعترض عليه اعتراضاً جوهرياً.

لا أعتقد أنّ الإسلام السياسي حاملٌ لحلّ، وهذا رأيي الشخصي ولا يلزمني أن أفرضه على غيري، لكنّني ملتزم به لأنّه نتاج قراءة ومراجعة لا استجابة عاطفية.

فحين نتأمل طبيعة الأزمات الراهنة بكل تفاصيلها وبكل واجهاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، نجد أنّ الخطاب المتسرول بالدين لا يقدّم لها حلولاً ناجعة، بل غالباً ما يزيدها تعقيداً؛ لأنّه يستبدل التحليل بالشعار، والمعالجة التقنية بالتعبئة الوجدانية.

لماذا يجب تجريد الإسلام السياسي من المظلومية؟

أكثر من ذلك، أعتقد أنّ الإسلام السياسي ضرورةٌ أن يُحرَم من المظلومية.

أقول ذلك بوعي تام، لأنّه يراهن على هذه المظلومية راهناً عالياً، ويستمد منها فاعليته السياسية ومناعته ضدّ النقد.

فهي سلاحه المزدوج: درعٌ يقي من المساءلة، ورمحٌ يوجّه إلى كلّ من يجرؤ على السؤال.

وقد أفادته هذه المظلومية في ظلّ لعبة المخاتلة التي دأب عليها؛ فهو يتجنّب بانتظام الإجابة عن الأسئلة المحرجة ذات الصلة بالثقافة، وذات الصلة بالتعليم، وذات الصلة بطبيعة الحكم والحوكمة، وذات الصلة بالعلاقات الخارجية.

يتقدّم في الخطاب كقوة احتجاجية بريئة، ويهرب في الممارسة من كلّ استحقاق برنامجي.

الإسلام السياسي مُخاتل بطبعه، وهذا المخاتلة ليست عارضاً فردياً بل بنية عمل متكررة.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أنّ تجريد الإسلام السياسي من المظلومية ليس انتقاماً ولا استقواءً، بل هو شرطٌ méthodologique لقيام نقاش عقلاني.

فطالما بقي الطرف السياسي في موقع الضحية، تعطّلت كلّ أدوات التقييم، وصار نقد برنامجه الحكمي بمثابة اعتداء على الدين نفسه.

رفعُ هذه الحصانة هو ما يعيد الساحة إلى منطق التنافس الطبيعي على برامج وخطط ومسؤوليات.

المشروع الثيوقراطي: مخفيّ ومقنّع ومؤجَّل

لذلك كنت قد أكّدتُ في أكثر من مناسبة أنّ داخل الفكر الإخواني، بكل تفصيلاته وتفرعاته واشتقاقاته، يوجد مشروع دولة ثيوقراطية.

مشروع مخفيّ مقنّع، مؤجَّل، مرحَّل، لكنه يمثّل الأساس الإيديولوجي والسياسي لتلك الممارسات وذلك الفعل.

غاية استراتيجية تُخفى إلى حين اكتمال المعادلة بين الشروط الموضوعية من جهة، وقوة التنظيم وقدرته على التحالف والمناورة من جهة أخرى.

وهذا ما يفسّر سلوكاً سياسياً كثيراً ما يبدو متناقضاً في نظر المتتبع: ليونة في الخطاب خلال مراحل الضعف، وتصلّب في الممارسة عند مراحل التمكين.

فالتنظيم لا يتراجع عن مشروعه، وإنما يوزّع سرعته على الزمن بحسب موازين القوى.

الإخوان هم الإخوان

الإخوان هم الإخوان.

مهما اجتهدوا في التشبّه بالديمقراطيين، ومهما اجتهدوا في لعبة التنكّر وتبديل الأسماء والواجهات، فهم في آخر التحليل أصحاب مشروع ثيوقراطي.

في أقصى حالاته الديمقراطية، يكون هذا المشروع جمهورية على الشاكلة الإيرانية، «بين ظفرين»، أي حكراً على الأطراف الدينية، ومحتكراً من الأحزاب والتشكيلات السياسية المجتمعة حول المفهوم والمشروع الثيوقراطي، مع تهميش فعلي لكلّ ما يخرج عن دائرته تحت غطاء شرعية الانتخاب.

ملاحظات ختامية: كيف نتعاطى مع هذا المعطى؟

إنّ التعاطي العقلاني مع الإسلام السياسي يقتضي، في تقديري، ثلاثة شروط:

  • الفصل بين الدين والمشروع السياسي: احترام الدين في موقعه الروحي والثقافي لا يعني منح أيّ حزب احتكار التحدّث باسمه.
  • إلزام الأسئلة البرنامجية: لا شرعية سياسية بلا برامج واضحة في التعليم والاقتصاد والحوكمة والعلاقات الخارجية، قابلة للتقييم والمحاسبة.
  • رفض ثقافة المظلومية كرصيد سياسي دائم: فالمواطنة تقتضي حقوقاً وواجبات، لا خطاب استضعاف دائم يبرّر كلّ إخفاق.

هذا رأيي، وقد بلّغته وأبلغته، ولا يلزمني غيري، لكنّني أعتقد أنّه أرضية صالحة لنقاش صريح وهادئ في ساحة تحتاج إلى وضوح أكثر مما تحتاج إلى مواربة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *