في تصريحات وُصفت بـ”النارية”، أشعلت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، جدلاً واسعاً على الساحة السياسية الدولية، بعدما وجّهت انتقاداً لاذعاً للسياسات الغربية، وكشفت عن طبيعة الصراع الممتد بين الكرملين من جهة، وواشنطن والعواصم الأوروبية من جهة أخرى، في توقيت تمر فيه العلاقات الدولية بأحد أكثر مراحلها حساسيةً وخطورة.
“مرض تاريخي مزمن” يسيطر على العقل الغربي
وفي تحليلها لجذور العداء الغربي تجاه موسكو، اعتبرت زاخاروفا أن هذا العداء ليس وليد اللحظة الراهنة أو نتيجة للأزمة الأوكرانية وحدها، بل هو “مرض تاريخي مزمن” متجذّر في البنية الفكرية والسياسية للغرب، ويستمد nourishment من عقيدة موغلة في القِدَم.وأوضحت المتحدثة الروسية أن الهدف الثابت خلف هذه السياسات هو محاولة يائسة ومتكررة للنيل من استقرار الدولة الروسية وتقويض أركانها عبر العصور المختلفة، من الإمبراطورية القيصرية إلى الاتحاد السوفيتي ثم روسيا الاتحادية الحديثة، ما يعكس -بحسب وصفها- نمطاً سلوكياً غربياً لا يتغيّر بتغيّر الأنظمة أو الحقب.
ترسانة عقوبات ضخمة تتحطم على صخرة السيادة
وفي رسالة تحدٍّ صريحة، أكدت زاخاروفا أن حزم العقوبات غير المسبوقة التي فُرضت على موسكو، والتي تجاوز عددها حاجز الـ35 ألف عقوبة اقتصادية ودبلوماسية ومالية وتقنية، لم تحقق أهدافها المعلنة، بل تحطمت على صخرة الاقتصاد الروسي والسيادة الوطنية.وأشارت إلى أن هذه الإجراءات القسرية، بدل أن تُضعف الدولة الروسية، أسهمت في رفع مناعتها الاقتصادية وزادت من قدرتها على التكيف وإعادة توجيه تجارتها الخارجية نحو أسواق بديلة، وتعزيز الاعتماد على الذات في قطاعات حيوية مثل الطاقة والزراعة والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا.
أبعاد أوسع للصراع: الطاقة والغذاء والنظام المالي
وتأتي هذه التصريحات في سياق تحوّلات أعمق تشهدها خريطة النفوذ العالمية، حيث بات الصراع بين روسيا والغرب يمتد إلى ملفات استراتيجية عدة؛ أبرزها أمن الطاقة الأوروبي ومساعي موسكو لفك الارتباط عن الدولار في تسوياتها التجارية، إضافة إلى ملف تصدير الحبوب وأزمات سلاسل الإمداد العالمية، وهي ملفات جعلت من روسيا طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات دولية مقبلة.ويرى مراقبون أن لغة زاخاروفا الحادة تعكس استراتيجية إعلامية روسية تهدف إلى إيصال رسالة مزدوجة: الأولى موجهة للداخل الروسي لتأكيد صمود البلاد أمام الضغوط الخارجية، والثانية موجهة للخارج للقول إن سياسة العقوبات قد استنفدت أثرها ولم تعد أداة فعّالة في الضغط على موسكو.
ماذا بعد؟ سؤال المرحلة المقبلة
وفي ظل استمرار حالة الجمود في العلاقات بين روسيا والغرب، يبقى السؤال الأبرز: إلى أي مدى يمكن أن تتحمل الأطراف كلفة هذا الصراع المفتوح؟ فبينما تصرّ موسكو على أن عقوبات الغرب لم تُثنِها عن مسارها، تبحث العواصم الغربية عن صيغ جديدة للضغط لم تُختبر بعد، ما يجعل المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التصعيد والتحولات في موازين القوى الدولية.
التعليقات