تكريم عربي جديد لرائد السرديات: سعيد يقطين شخصية العام الثقافية في الشارقة
في إنجاز جديد يُضاف إلى سجل الأدب والثقافة العربية، أعلنت اللجنة المنظمة لمعرض الشارقة الدولي للكتاب عن اختيار الباحث والمفكر المغربي البارز سعيد يقطين ليكون “شخصية العام الثقافية” في الدورة الخامسة والأربعين المرتقبة، وذلك تقديرًا لمسيرته العلمية الحافلة وإسهاماته الاستثنائية في تطوير حقول السرديات والنقد الأدبي الحديث على مستوى الوطن العربي.
ويُعد هذا الاختيار تتويجًا لمسار أكاديمي طويل امتد لعقود من البحث والتدريس والتأليف، جعل من صاحبه أحد أبرز المراجع في دراسة النص السردي العربي.
مسيرة استثنائية في خدمة السرد العربي
يُعد الدكتور سعيد يقطين واحدًا من أبرز الأسماء الأكاديمية التي أحدثت نقلة نوعية في دراسة النص السردي والرواية العربية، حيث تمكن عبر مؤلفاته الرائدة ودراساته النقدية العميقة من تأسيس أفق جديد لفهم وتحليل النصوص الأدبية، جاعلًا من الفكر النقدي جسرًا حقيقيًا للتواصل المعرفي بين مختلف الثقافات العربية، وهو ما جعل اسمه يتربع على عرش التكريمات الثقافية الكبرى.
وقد ارتبط اسم يقطين بمشروع نقدي متكامل سعى من خلاله إلى استيعاب المناهج السردية الحديثة، مستفيدًا من التيارات البنيوية وما بعد البنيوية، مع الحرص على تطويعها بما يخدم خصوصية النص السردي العربي.
ولم يكتفِ الباحث المغربي بأن يكون ناقلًا للنظريات الغربية، بل عمل على تأصيلها وإعادة قراءتها في ضوء التراث السردي العربي، وهو ما منح أعماله طابعًا مُميّزًا يجمع بين الدقة المنهجية والحس الإبداعي.
ومن أبرز مؤلفاته التي شكلت علامات مضيئة في المكتبة النقدية العربية كتابه “الرواية العربية والتراث”، الذي فتح فيه نقاشًا موسعًا حول علاقة الرواية العربية بالسرد التراثي، وكتابه “الكلام والخبر: مقدمة للسرد العربي”، الذي قدّم فيه قراءة تأسيسية لنشأة السرد العربي وتطوره.
كما أسهم عبر سلسلة من المقالات والأبحاث في إعادة الاعتبار إلى فنون الحكي الشعبية والأنواع السردية القديمة، معتبرًا إياها أصولًا لا يمكن تجاوزها عند دراسة الرواية الحديثة.
ولم تقتصر إسهامات يقطين على التأليف، بل امتدت إلى الإشراف الأكاديمي والتدريس الجامعي في المغرب، حيث خرّج أجيالًا من الباحثين الذين واصلوا مشروعه النقدي، إضافة إلى مشاركاته الفاعلة في المؤتمرات والندوات الدولية التي نقلت النقد السردي العربي إلى دوائر الحوار العالمي.
تقدير إماراتي متجدد للإبداع والمثقفين
يأتي هذا الاختيار رفيع المستوى في إطار الرؤية الحكيمة لإمارة الشارقة ودورها الريادي في الاحتفاء بالرموز الفكرية والعلمية التي أغنت المكتبة العربية بعطاءاتها المستمرة.
ويعكس تكريم يقطين حرص المهرجان الدولي للكتاب على تسليط الضوء على القامات التي أسهمت بشكل فعال في إثراء المشهد الثقافي وتوجيه بوصلة الوعي الأدبي نحو آفاق أرحب وأكثر عمقًا، متيحًا للجمهور فرصة التعرف عن قرب على محطة حاسمة من محطات الفكر العربي المعاصر.
وتُعد جائزة “شخصية العام الثقافية” واحدة من أرفع الأوسمة التي يمنحها معرض الشارقة الدولي للكتاب، إذ تُكرَّم من خلالها شخصيات تركت بصمة واضحة في الحياة الثقافية العربية.
فاختيار المكرَّم لا يقوم على الشهرة وحدها، بل على أثر تراكمي حقيقي في الحقل المعرفي، وهو ما ينطبق على مسيرة سعيد يقطين الممتدة والمتنوعة.
دورات ثقافية نوعية ومساحة للحوار
يُقام التكريم في إطار برنامج ثقافي حافل يُصاحب فعاليات المعرض، ويتضمن عادةً ندوات حوارية مع الشخصية المكرَّمة، وجلسات نقاشية حول أعمالها ومنجزها الفكري، بما يتيح للقراء والباحثين فرصة التفاعل المباشر مع التجربة المحتفى بها.
ويُنتظر أن تشهد الدورة الخامسة والأربعون حضورًا واسعًا من النقاد والأكاديميين والمهتمين بالسرديات، خاصةً في ظل المكانة التي يحظى بها يقطين في الأوساط الجامعية العربية.
كما يمثل هذا الاختيار مناسبة لتسليط الضوء على الحركة النقدية المغربية، التي برزت خلال العقود الأخيرة كواحدة من أكثر المدارس النقدية العربية حيوية وإنتاجًا، وساهمت في ربط الثقافة العربية بالمنجز النظري العالمي في مجال السرديات وتحليل الخطاب.
خلاصة
إن اختيار سعيد يقطين شخصيةً ثقافية للدورة الخامسة والأربعين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب ليس مجرد تكريم فردي، بل هو احتفاء بمشروع نقدي عربي متكامل أعاد للسرد العربي موقعه في خريطة الدرس الأدبي الحديث.
وبين الأمس واليوم، يبقى هذا التكريم شاهدًا على أن العطاء الفكري الصادق يجد دائمًا من يحتفي به ويُقدّره.

التعليقات