مصر أمام معادلة مائية معقدة: أمطار غزيرة وحصة محدودة
في إطار الجهود المصرية المتواصلة لمواجهة التحديات المائية المتصاعدة، شارك الدكتور هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري، في جلسة نقاشية رفيعة المستوى بعنوان «المياه الخضراء من أجل مستقبل آمن مائيًا»، استعرض خلالها أرقامًا غير تقليدية تكشف حجم الفجوة بين ما تهبط به السماء على القارة الأفريقية وما يصل فعليًا إلى مصر.
2000 مليار متر مكعب من السماء.
إلى أين تذهب؟.
كشف وزير الري عن مفارقة رقمية لافتة تتعلق بكميات الأمطار المتساقطة سنويًا على دول حوض النيل، موضحًا أن الحوض يتلقى ما يقارب 2000 مليار متر مكعب من مياه الأمطار كل عام.
ويُعد هذا الرقم مؤشرًا على الغنى الطبيعي الهائل للمنطقة، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا لا ينعكس هذا الكم الضخم على الموارد المائية المتاحة، ولماذا تتبدد هذه الثروة دون استفادة قصوى؟.
الفارق الشاسع بين الأمطار والحصة التاريخية لمصر
وفي مقارنة توضح حجم التحدي، أشار الدكتور سويلم إلى أن متوسط التصرف السنوي الفعلي الواصل إلى بحيرة ناصر عند خزان أسوان لا يتجاوز 55.5 مليار متر مكعب فقط.
أي أن ما يصل إلى مصر يمثل نسبة ضئيلة للغاية من إجمالي الأمطار الساقطة على الحوض، وهو ما يكشف عن ضخامة الفاقد من المياه نتيجة التبخر والتسرب والتغيرات المناخية وطبيعة التضاريس الأفريقية.
ما هي «المياه الخضراء» ولماذا أصبحت ضرورة؟
يُقصد بالمياه الخضراء تلك الكميات من الأمطار التي تُخزن في التربة وتستخدمها النباتات والمحاصيل الزراعية مباشرة، دون أن تدخل في دورة الأنهار أو الخزانات السطحية.
ويعتمد عليها جزء كبير من الزراعة المطرية في أفريقيا، إذ تشير التقديرات إلى أنها تمثل النسبة الأكبر من مياه الأمطار المتساوية.
ومن ثم فإن إدارة هذه المياه بكفاءة عبر تقنيات حصاد الأمطار، وتطوير الزراعة المطرية، وتحسين تخزين التربة، يمكن أن يقلل الضغط عن الموارد المائية التقليدية.
دلالات الاستراتيجية المصرية للأمن المائي
تندرج هذه الطروحات ضمن استراتيجية مصرية أوسع تستهدف تنويع مصادر المياه وتعظيم كفاءة استخدامها، وتشمل تحلية مياه البحر، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي المعالجة، وتحديث نظم الري، إضافة إلى التعاون الإقليمي مع دول حوض النيل.
ويؤكد المسؤولون أن مفهوم الأمن المائي لم يعد قضية محلية بل ملفًا إقليميًا يحتاج إلى رؤية مشتركة تضمن مصالح جميع الأطراف.
خلاصة: من الأرقام إلى السياسات
الفارق بين 2000 مليار متر مكعب من الأمطار و55.5 مليار متر مكعب تصل فعليًا إلى بحيرة ناصر ليس مجرد رقم صادم، بل دعوة عملية إلى تبني سياسات جديدة تعتمد على مفهوم «المياه الخضراء»، وتوسيع الاستثمار في حصاد المياه والتكنولوجيا الزراعية الذكية، لضمان مستقبل آمن مائيًا للأجيال القادمة في مصر ودول القارة الأفريقية الشقيقة.

التعليقات