مصر تضع الأمن المائي في قلب استراتيجيتها الوطنية
في خطوة تعكس إدراك الدولة المصرية العميق لخطورة المرحلة المقبلة، وحمايةً لحقوق الأجيال القادمة في مورد الحياة الأول، تصدّر ملف الأمن المائي أولويات الحكومة الاستراتيجية، حيث أولى الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، هذا الملف اهتماماً مباشراً ورعاية خاصة، وصولاً إلى إعلانه صراحةً أن «الأمن المائي خط أحمر» لا يمكن التفريط فيه أو المساس به.
جاء هذا التوجه خلال مشاركة سيادته الفاعلة في افتتاح فعاليات الدورة الخامسة للمعرض والمؤتمر الدولي لتكنولوجيا المياه، الذي يُعد أحد أهم التجمعات المتخصصة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، وسط حضور كثيف من الخبراء والباحثين وكبار المستثمرين والمتخصصين في قطاع إدارة الموارد المائية، على المستويين المحلي والدولي.
تحديات متراكبة تفرض حلولاً غير تقليدية
أكد رئيس الوزراء في كلمته الرئيسية أن الاعتماد على المصادر التقليدية وحدها لم يعد كافياً أو مجدياً في مواجهة تحديات مركّبة، أبرزها التغيرات المناخية التي باتت تهدد أنماط سقوط الأمطار ومواسم الفيضان، والزيادة السكانية المتسارعة التي ترفع الطلب على المياه عاماً بعد عام، إلى جانب محدودية الحصة المائية الثابتة للبلاد.
وفي هذا السياق، شددت الحكومة على ضرورة التوسع السريع والمنظّم في الابتكارات التكنولوجية والحلول غير التقليدية، ومن أبرز هذه الحلول:
- تحلية مياه البحر: عبر إنشاء محطات حديثة تعمل بالطاقة المتجددة لتقليل التكلفة والبصمة الكربونية، خاصة في المدن الساحلية.
- إعادة استخدام وتدوير مياه الصرف الزراعي: من خلال مشروعات قومية لإعادة معالجة مياه المصارف الزراعية ودمجها مجدداً في منظومة الري، بما يوفّر مليارات الأمتار المكعبة سنوياً.
- تقنيات الري الذكي: مثل الري بالتنقيط والرشّ والري تحت السطحي المزوّد بحساسات رطوبة التربة، لتقليص الفاقد وحماية كل قطرة مياه.
- حصاد مياه الأمطار والسيول: في المناطق الساحلية والوديان، وإنشاء السدود والحواجز المائية الصغيرة.
- تقليل الفاقد في الشبكات: عبر تحديث شبكات توزيع المياه والكشف المبكر عن التسريبات باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وكل ذلك بهدف واحد واضح: ضمان استدامة كل قطرة مياه على أرض المحروسة، وتحويل التحدي إلى فرصة تنموية حقيقية.
رؤية مصر المستقبلية لقطاع المياه
يأتي هذا التحرك الحكومي الجاد في إطار خطة متكاملة تتبناها الدولة لتعظيم الاستفادة من الموارد المائية المتاحة، وتعزيز كفاءة استخدامها في القطاعات كافة، بدءاً من الزراعة — أكبر مستهلك للمياه — ومروراً بالصناعة والاستخدامات المنزلية.
وتسعى مصر في هذا الإطار إلى جذب الاستثمارات الحديثة في قطاع تكنولوجيا المياه، والتعاون مع كبرى الشركات العالمية والمحلية لنقل وتوطين أحدث التكنولوجيات، بما يساهم في تأمين المستقبل المائي للبلاد بكفاءة عالية وبأقل تكلفة ممكنة، ويعزز مكانة مصر كمركز إقليمي رائد في مجال تكنولوجيا المياه وإدارة الموارد.
ولعل تنظيم هذا المعرض والمؤتمر الدولي بشكل دوري يعكس إرادة سياسية واضحة لجعل ملف المياه ركيزة أساسية في الأمن القومي المصري، وجسراً للتعاون الإقليمي والدولي في مواجهة واحدة من أخطر أزمات القرن.

التعليقات