سلام الشاشات وضمير الإنسانية المستتر
بقلم: المستشارة تهاني التريفي زحمة هذا العصر المتسارع والمثقل بالمتغيرات، انشطر الإنسان المعاصر بين عالمين: عالم افتراضي يمنحه وهماً بالاستقرار، وعالم واقعي يئن تحت وطأة القسوة والجفاف العاطفي.لقد بات «السلام الإلكتروني» الذي نعيشه خلف الشاشات المضيئة ملاذاً نهرب إليه من ضجيج واقعٍ فقد بوصلته، في مفارقة مبكية تجعلنا نتساءل: متى أصبحت الخوارزميات أقرب إلينا من نبض قلوبنا؟والحقيقة أن هذا الانقسام لم يولد من فراغ، بل جاء نتيجة ثورة رقمية اجتاحت تفاصيل حياتنا في أقل من عقدين، فبعد أن كان التواصل الإنساني يبنى على اللقاء والحديث والنظرة، أصبح اليوم يُختصر في رسالة قصيرة أو رمز تعبيري.
وقد أشارت دراسات حديثة إلى أن الإنسان المعاصر يقضي ما يقارب سبع ساعات يومياً أمام الشاشات، وهو وقت يفوق بكثير ما يقضيه في تواصل مباشر مع محيطه الأسري والاجتماعي.
وبين هذا وذاك، تتسع الفجوة بين ما نشعر به وما نُظهره، ويصبح الوهم الافتراضي بديلاً هشاً عن دفء الحقيقة.إن هذه الشرنقة الرقمية لم تكتفِ بسرقة الوقت، بل سرقت أيضاً قدرتنا على الإصغاء الحقيقي للآخر.
فالإنسان الذي يختبئ خلف شاشة لا يرى إلا ما يريد أن يراه، ويسمع فقط ما يوافق هواه، بفعل خوارزميات مصممة لتغذيته بما يؤكد قناعاته لا بما يوسع آفاقه.
وهكذا ننغلق على ذواتنا، ونظن أننا نتواصل بينما نحن في الحقيقة نكرّر أنفسنا ونصغي إلى صدى أصواتنا فقط.
الرحمة: ضمير غائب مستتر
الرحمة أصبحت ضميراً غائباً مستتراً، ففي قواعد لغتنا العربية يحمل «الضمير المستتر» دلالة الوجود الخفي، لكن في قاموس أيامنا هذه أصبحت الرحمة هي الضمير الغائب المستتر الذي لا أثر له ولا تقدير.لقد تآكلت القيم في زمنٍ لم يعد فيه متسع للضعيف، ولا مساحة لمن يتشبث بأخلاقه الحميدة.
أصبح اللين يُصنّف ضعفاً، والنقاء يُعدّ سذاجة، وكأن مجتمعاتنا قد سنّت قانوناً غير مكتوب ينص على أن البقاء للأقسى، وأن النجاة لمن يجيد التخلي عن مبادئه في أول منعطف.والمؤلم أن هذا التآكل الأخلاقي لا يحدث دفعة واحدة، بل يتسلل ببطء شديد إلى تفاصيل حياتنا اليومية، في صورة هزار ونكات عن طيبة القلوب، وفي نظرة استهجان لكل من يمد يده لمساعدة غريب، وفي عبارات مثل «لا تتدخل فيما لا يعنيك» التي صارت قاعدة سلوكية في كثير من مجتمعاتنا.
هكذا تتحول الرحمة من قيمة عليا إلى عبء يُخشى منه، ومن فضيلة تُمارس إلى ترف لا يستطيع إلا القليل تحمّله.
عزلة الوجوه ولغة الشاشات
لقد أصابتنا الشاشات بعمى العاطفة؛ فأصبحنا نُطيل النظر في هواتفنا الذكية أكثر بكثير من النظر في عيون بعضنا البعض.نستجدي الإعجاب الافتراضي، ونبني علاقات من زجاج خلف لوحات المفاتيح، بينما نجلس في الغرفة ذاتها مع أقرب الناس إلينا يفصل بيننا جدار من الصمت والعزلة.
لقد سرقت الشاشات دفء التواصل، وحوّلت الإنسان إلى كائن منبهر بضوء أزرق، غافل عن دفء الشمس ونور الإنسانية.ويكفي أن نتأمل مشهد عائلة تجتمع على مائدة واحدة، لنجد كل فرد منها مشغولاً بشاشته ومنفصلاً عمّن حوله.
الأطفال يتعلمون من آبائهم أن الحضور الجسدي لا يعني الحضور الفعلي، وأن من الممكن أن يكون الإنسان في الغرفة وعقله في مكان آخر تماماً.
وهكذا يورث جيل اليوم جيل الغد عزلة يظنها تواصلاً، وفراغاً يظنه امتلاءً.
وقد أثبتت الدراسات أن الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بزيادة مشاعر الوحدة والقلق، في مفارقة عجيبة: كلما زاد اتصالنا رقمياً، زاد احساسنا بالعزلة الحقيقية.
حين تفقد الوجيعة رهبتها: تطبيع المأساة
إن أشد ما يدمي القلب في مجتمعاتنا اليوم هو «تطبيع المأساة».فقد كثرت المشاهد الموجعة حتى تبلدت مشاعرنا تجاهها، وأصبحنا نمر بأوجاع الآخرين دون أن يتحرك فينا ساكن:
- الجوعى على الأرصفة: نمر بهم كأنهم جزء من جماد الطريق، لا يحركون فينا شيئاً.
- بيوت الفقراء المتهالكة: تلك التي تستند حجارتها على بعضها بخجل، بالكاد تقي ساكنيها برد الشتاء أو قسوة الصيف، نراها وكأنها ديكور عابر في مشهد حياتنا اليومية.
- طفولة مسلوبة: أطفال بأعمار الزهور، كُسرت براءتهم وسُلبت حريتهم، زُجّ بهم في قسوة العمل اليومي.
أيديهم الصغيرة التي خُلقت لتمسك بأقلام التلوين باتت خشنة من حمل أعباء البحث عن لقمة عيش مغموسة بعرق القهر، لينقذوا عائلاتهم من براثن الجوع.
لكن الحقيقة أن التطبيع لا يحدث لأن القلوب ماتت دفعة واحدة، بل لأن المشاعر إذا ما استُدعيت بإلحاح واستنزفت بالصدمات المتكررة، فإنها تصاب بما يسميه علماء النفس «التبلد العاطفي»، وهو آلية دفاعية تجعل الإنسان يقسو على نفسه وعلى غيره لكي يحتمل ما لا يُحتمل.
وهكذا تصبح القسوة عذراً للبقاء لا خياراً أخلاقياً.
صمت الإرادة: لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم
مع كل هذه المشاكل التي طفت على أسطح مجتمعاتنا كزبد البحر، اختار الأغلبية العظمى التقوقع في فقاعتهم الخاصة.لقد تبنّينا، بوعي أو بغير وعي، فلسفة «لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم».
نغض الطرف عن الظلم كي لا نتحمل عبء الموقف، ونصمّ آذاننا عن صرخات المحتاجين كي لا يزعجنا أنينهم، ونكتم أصواتنا عن قول الحق كي لا نفقد مكاسبنا الهشة.
إنه هروب جماعي من مسؤولية الإنسان تجاه أخيه الإنسان.هذا الصمت ليس براءة، بل تواطؤ صامت.
فالظلم لا يستمر إلا عندما يجد أرضاً خصبة من السكوت.
وكل فرد يحيد عن المواجهة يمنح الظالم إذناً ضمنياً بالاستمرار.
وهكذا يتحول المجتمع إلى جسد بلا لسان ولا ذاكرة، حتى تصير المأساة عادية، والألم موضة، ولا يعود للمواقف معنى.
«إن أسوأ ما قد يصيب أمة من الأمم ليس الفقر أو الجوع، بل موت الإحساس في قلوب أبنائها، وتحول معاناة الآخرين إلى مجرد مشهد عابر لا يستحق التوقف.»
خاتمة: نحو بوصلة أخلاقية تعيد للإنسانية وجهتها
أصبح السلام الإلكتروني الذي نختبئ خلفه ليس سوى تخدير مؤقت لجراح تنزف في جسد الإنسانية.لن يستقيم هذا العالم ولن يجد سلامه الحقيقي ما دامت الرحمة غائبة، وما دام الضعيف يخشى الحياة، وما دام الأطفال يدفعون فاتورة عجز الكبار.إننا اليوم بحاجة ماسة إلى بوصلة أخلاقية تعيد للإنسانية وجهتها الحقيقية، وتنتشلنا من عزلة الشاشات لنعود إلى رحاب القلوب.
وهذه البوصلة لا تبنى بالكلام، بل بالممارسة: زيارة بسيطة لجارٍ مريض، تبرع صغير لمن يحتاج، كلمة طيبة تعيد الأمل إلى قلب محطم، وقفة جادة أمام أي ظلم نراه لا يمكن تبريره ولا مواراته.
لعلنا نُعرب الرحمة يوماً ما لتكون «فعلاً ظاهراً ملموساً» بدلاً من أن تبقى مجرد ضمير مستتر يعيش في غياهب النسيان.

التعليقات