عودة ملف السوبر ليج إلى الواجهة من جديد
عاد ملف بطولة دوري السوبر الأوروبي (السوبر ليج) ليتصدر المشهد الرياضي العالمي مرة أخرى، بعد أن شهدت الساحة الأوروبية تطوراً غير مسبوق أعاد إحياء الجدل الذي خفت قبل سنوات.
هذه المرة، لم يكن الحديث عن صيغة جديدة للبطولة أو عن موعد انطلاقها، بل عن فاتورة مالية ضخمة يُطالب نادي ريال مدريد الإسباني أندية إنجليزية عريقة بتحمل نصيبها منها، في خطوة وُصفت بأنها “قنبلة” ألقيت في قلب كرة القدم الأوروبية.
وبحسب ما تردد في الأوساط الإعلامية الرياضية، وجّه النادي الملكي بقيادة رئيسه فلورنتينو بيريز مطالبة رسمية إلى ستة من أقدم وأعرق الأندية في الدوري الإنجليزي الممتاز، بضرورة المشاركة في سداد التكاليف المالية الباهظة التي أُنفقت على مشروع البطولة المثير للجدل منذ انطلاق فكرته وحتى اللحظة الراهنة.
تفاصيل أزمة الـ 80 مليون يورو
تشير التقديرات المالية المتداولة إلى أن النفقات الإجمالية لمشروع السوبر ليج قد بلغت أرقاماً فلكية تقترب من 80 مليون يورو، شملت بحسب التقارير تمويلاً أولياً قُدّم للأندية المؤسسة الاثني عشر، إضافة إلى تكاليف الإنفاق على الجوانب التسويقية والقانونية والتحضيرات التنظيمية والتفاوضية التي سبقت الإعلان الرسمي عن البطولة عام 2021.
ويرى النادي الملكي أن هذه المبالغ قد صُرفت من أجل مشروع كان يستهدف في الأساس حماية مصالح الأندية الكبرى وإنقاذها اقتصادياً، لا سيما في ظل التداعيات المالية التي خلفتها جائحة كورونا على ميزانيات الأندية.
وبناءً على ذلك، يرى ريال مدريد أن الأندية الإنجليزية الستة المستهدفة، وهي التي كانت جزءاً أساسياً من المشروع قبل أن تنسحب تحت وطأة الضغط الجماهيري والاتحادات المحلية، ملزمة قانونياً وأخلاقياً بالمشاركة في سداد هذه الفاتورة الضخمة بدلاً من ترك الإدارة المدريدية تتحمل العبء كاملاً وحدها.
خلفية المشروع: من انطلاقة مدوية إلى انسحاب جماعي
تعود جذور الأزمة إلى أبريل 2021، حين أعلن اثنا عشر نادياً أوروبياً كبيراً بينها ريال مدريد وبرشلونة ويوفنتوس والأندية الإنجليزية الستة (مانشستر يونايتد، مانشستر سيتي، ليفربول، تشيلسي، آرسنال، وتوتنهام)، عن إطلاق بطولة السوبر ليج كمنافس مباشر لدوري أبطال أوروبا، بمشاركة أندية مؤسسة تضمن لها دخلاً ثابتاً ومستقراً.
لكن الإعلان أثار موجة من الغضب الشعبي والاتحادي لم يشهدها تاريخ اللعبة الحديثة، إذ اعتبرت الجماهير أن البطولة تهدد مبدأ المنافسة المفتوحة وتُكرّس هيمنة نخبة مغلقة.
وسرعان ما انسحبت الأندية الإنجليزية الستة خلال أيام قليلة فقط، ثم تلتها جميع الأندية باستثناء ريال مدريد وبرشلونة ويوفنتوس التي واصلت الدفاع عن المشروع قانونياً لسنوات، قبل أن تتراجع الأخيرة بدورها.
موقف الأندية الإنجليزية وردود الفعل المحتملة
حتى هذه اللحظة، تسود حالة من الترقب والتردد داخل الأندية الإنجليزية المعنية، وسط توقعات برفض قاطع للمطالب المالية المدريدية.
وتُعزي هذه التوقعات إلى أن تلك الإدارات ترى نفسها غير ملزمة بأي التزام مالي بعد انسحابها من المشروع في مرحلة مبكرة، فضلاً عن أنها واجهت حينها حملات غضب جماهيرية واسعة وتهديدات من الاتحاد الإنجليزي ورابطة البريميرليج بالعقوبات.
ويرى متابعون للشأن الرياضي أن هذه الخطوة من جانب ريال مدريد قد تفتح الباب أمام جولة جديدة من الصراعات القضائية والنزاعات القانونية المعقدة بين أقطاب الكرة الأوروبية، مما قد يُعيد إشعال حالة “الحرب الباردة” بين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) والأندية المؤسسة للمشروع المعطل، خاصة في ظل التطورات القانونية التي شهدتها القضية عبر المحاكم التجارية الأوروبية.
الآثار المحتملة على مستقبل الكرة الأوروبية
تتجاوز هذه الأزمة البعد المالي لتطرح تساؤلات أعمق حول نموذج الحوكمة في كرة القدم الأوروبية، وعلاقة الأندية الكبرى بالاتحادات المحلية والقارية، ومدى قدرة الأطر القانونية الحالية على التعامل مع مشاريع تتصادم مع مصالح المنظومة الكروية القائمة.
كما أنها قد تُلقي بظلالها على مستقبل العلاقات بين الأندية الإنجليزية ونظيراتها الإسبانية، خاصة في ظل الحديث المتكرر عن بطولات بديلة ومبادرات تضامنية جديدة.
وفي جميع الأحوال، يبقى الملف مفتوحاً على احتمالات متعددة، ما بين تفاوض هادئ لتقاسم التكاليف، أو مواجهة قانونية طويلة قد تستدعي تدخل جهات التحكيم الرياضي والمحاكم الأوروبية.
وما هو مؤكد أن اسم السوبر ليج، الذي بدا وكأنه دُفن إلى الأبد، عاد ليطفو على السطح من جديد، وهذه المرة عبر بوابة الفواتير والمحاكم.

التعليقات