زيارة تاريخية بامتياز تعيد رسم ملامح الشراكة العُمانية البريطانية
حظيت زيارة السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، إلى المملكة المتحدة باهتمام دولي لافت، إذ خصصت وكالات الأنباء والصحف العالمية مساحات واسعة لتغطية هذا الحدث وتحليل أبعاده السياسية وعمقه التاريخي.
وتكتسب الزيارة أهميتها الاستثنائية من كونها الأولى من نوعها منذ أكثر من أربعة عقود، ما يجعلها حدثًا يتجاوز البروتوكول الرسمي ليصبح فصلًا جديدًا في سردية علاقات تاريخية وصداقة وصفها كثيرون بأنها “غير قابلة للاهتزاز” منذ معاهدة عام 1800.
وتتجاوز جسور هذه الصداقة القاعات الرسمية لتشمل مجالات الشباب والبحث العلمي والتصنيع والدراسات الأكاديمية، من جامعة أكسفورد إلى أروقة الجمعية البريطانية العُمانية التي تأسست قبل خمسين عامًا، في تأكيد واضح على أن الإرث التاريخي الغني ليس سوى الأساس الذي تُبنى عليه شراكة المستقبل.
تكريم للعلاقات الثنائية وتعزيز آفاق التعاون المشترك
أكد ريتشارد ستانفورد، رئيس الجمعية البريطانية العُمانية، أن الزيارة تُعد تكريمًا وصفه بالاستثنائي للعلاقات الثنائية بين البلدين الصديقين، مشيرًا إلى أهميتها في توطيد أواصر الصداقة التاريخية الممتدة عبر مئات السنين.
وأوضح أن الزيارة تمثل حدثًا بارزًا في مسار العلاقات الثنائية، بما تحمله من تأكيد على مواصلة تعزيزها والبناء على أسسها الراسخة مع تطلّع نحو المستقبل.
وأشار ستانفورد إلى أن الفرص الواعدة في سلطنة عُمان والمملكة المتحدة تتيح للدولتين تكثيف التعاون في قطاعات عدة، تشمل الاقتصاد والبحث العلمي والتصنيع، إضافة إلى الفرص المتاحة للشباب في كلا البلدين.
كما لفت إلى وجود برامج بحثية مشتركة يجري تحويل مخرجاتها الجامعية إلى شركات ناشئة، وكشف أن كثيرًا من هذه الشركات تجري مباحثات مع سلطنة عُمان لتصنيع التقنيات المكتشفة في الجامعات البريطانية محليًّا.
وشدد على أن الجمعية البريطانية العُمانية تنفذ برامج متميزة وتسعى إلى توسيع نطاقها بدعم من الشركات الراعية، خاصة في قطاعات تنمية الشباب، إلى جانب الرياضة والبيئة وقطاع الأعمال والتنمية الاقتصادية، وهي مجالات ترتكز جميعها على رؤية “عُمان 2040”.
دلالات رمزية في قلعة ويندسور وجذور حضارية ضاربة في التاريخ
من جانبه، أكد البروفيسور يوجين روجان، مدير مركز الشرق الأوسط في كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، أن الزيارة تمثل فرصة هامة لتجديد أواصر الصداقة والروابط التاريخية بين البلدين، منوهًا بأن إقامة مراسم الاستقبال الرسمية في قلعة ويندسور تحمل دلالات رمزية على عراقة العلاقات العُمانية البريطانية الممتدة عبر قرون.
وقال روجان إن سلطنة عُمان ظلت عبر التاريخ مجتمعًا منفتحًا على العالم، إذ امتدت روابطها الجغرافية والحضارية إلى جنوب آسيا وشرق أفريقيا وجنوب شبه الجزيرة العربية، ما يؤكد أنها دولة قامت على الانفتاح والتسامح.
وأضاف أن هذه الثقافة، المتجذرة في تاريخ عُمان بوصفها قوة بحرية، رسمت ملامح مكانتها في العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين.
وأشار إلى تميز سلطنة عُمان بقدرتها على الحفاظ على علاقات دبلوماسية طيبة مع جميع الأطراف، وأدائها دورًا إيجابيًّا وبنّاءً في دفع صراعات المنطقة نحو تسويات دبلوماسية، مؤكدًا أن البلدين يحترمان الحقوق السيادية للدول ويؤمنان بأن الصراعات تُحل بالطرق الدبلوماسية على النحو الأمثل.
شراكة متعددة المستويات ونهج عُماني قائم على الحوار
بيّن روجان أن سلطنة عُمان تتبوأ مكانة فريدة في علاقتها بالمملكة المتحدة، إذ تجمع بين البلدين علاقة على مستوى القيادتين، وأخرى على مستوى الحكومات، وثالثة على المستوى الثقافي والحضاري.
وسلّط الضوء على إسهامات النهج العُماني القائم على الحوار والتسامح والاحترام المتبادل في تعزيز التقارب وتعميق الفهم بين الثقافات والحضارات.
ولفت إلى أن الاهتمام الذي حظي به مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية من القيادة العُمانية على مدى العقود الماضية يعكس إسهامات هذا النهج، موضحًا أن المركز يضم كرسيًّا يحمل اسم عُمان وقاعة تحمل الاسم ذاته وتحتضن أنشطته، وتقع بجوار “حديقة الملك تشارلز الثالث”، بحيث يتجاور المبنى والحديقة ويجلس الباحث العُماني إلى جانب الحاصل على زمالة الملك تشارلز الثالث.
وشدد على أهمية دور المؤسسات الأكاديمية والثقافية في توسيع آفاق التعاون وتقوية الروابط بين الأجيال الناشئة في البلدين.
ثلاثة مرتكزات تحكم استمرارية العلاقات
أكد الدكتور فؤاد عبدالرازق، خبير الشؤون البريطانية والدولية، أن الزيارة ليست حدثًا بروتوكوليًّا فحسب، بل تعبير عن عمق علاقات تاريخية تمتد لأكثر من قرنين تجاوزت التحولات السياسية والإقليمية والدولية.
وأوضح أن رسالتها الواضحة مفادها أن العلاقات التاريخية لا تستمد قوتها من الماضي وحده، بل من قدرتها على التكيف مع الحاضر والاستثمار في المستقبل.
وأشار إلى أن هذه العلاقة تقوم اليوم على الشراكة والمصالح المتبادلة مع احترام القرار السياسي وخصوصية السياسة الخارجية للبلدين، مضيفًا أن أهميتها تتضاعف في ظل التوترات الإقليمية، حيث تمثل سلطنة عُمان صوتًا للحوار والتهدئة بينما تظل بريطانيا طرفًا مؤثرًا يتمتع بعلاقات سياسية وأمنية واقتصادية واسعة في المنطقة.
وحدد عبدالرازق ثلاثة مرتكزات رئيسة تقوم عليها استمرارية العلاقات العُمانية البريطانية: أولها الثقة السياسية المتراكمة عبر عقود، والتي حفظت قنوات التواصل حتى في فترات الاضطراب الإقليمي والدولي.
وثانيها التعاون الدفاعي والأمني بوصفه أحد أعمدة العلاقة الأساسية، من خلال التدريب العسكري المشترك وتبادل الخبرات والتعاون في الأمن البحري.
وثالثها المصالح الاقتصادية والتجارية التي تطورت من العلاقات البحرية التاريخية إلى شراكات تشمل الاستثمار والطاقة والتعليم والتكنولوجيا، مع الإشارة إلى عامل بالغ الأهمية يتمثل في التفاهم المتبادل بين القيادتين واحترام النهج العُماني القائم على التوازن وعدم الانحياز إلى سياسة المحاور.

التعليقات