في تحول مناخي مفاجئ أربك حسابات الخبراء، انتقلت الأنظار في الولايات المتحدة الأمريكية من متابعة موسم الأعاصير الأطلسية الهادئ إلى تهديد مختلف تمامًا وأكثر تعقيدًا يتربص بالساحل الشرقي للبلاد.
فبينما كانت التوقعات تشير إلى موسم أعاصير أقل حدة من المعتاد، أظهرت التحليلات الحديثة أن ظاهرة النينو المناخية قد تكون المفتاح الخفي وراء ارتفاع مخاطر العواصف الساحلية المدمرة، في مفارقة جوية تستحق التوقف عندها.
مفارقة الهدوء المشؤوم في المحيط الأطلسي
سجّل المحيط الأطلسي حالة من السكون النسبي في نشاط الأعاصير خلال الفترة الأخيرة، وهو ما بدا في البداية مؤشرًا مطمئنًا للمدن الساحلية.
غير أن هذا الهدوء لم يدم طويلًا في نظر العلماء، إذ رصدت المراكز البحثية بوادر تغيرات حادة تتمركز حول تفعيل ما يُعرف بـ”عواصف الشمال الشرقي” (Nor’easters)، وهي أنظمة جوية عاصفة تنشأ قبالة سواحل المحيط الأطلسي وتتقدم نحو اليابسة محملة برياح عاتية وأمطار غزيرة وثلوج في فصل الشتاء.
وتُعد هذه العواصف، بحسب خبراء الأرصاد، أكثر خطورة من الأعاصير المدارية في بعض الحالات، لأنها بطيئة الحركة وتمتد لفترات أطول، ما يجعلها قادرة على إغراق المناطق الساحلية وإحداث فيضانات متكررة.
كيف تعيد ظاهرة النينو ترتيب المعادلة المناخية؟
كشفت التحليلات المناخية التي نشرتها مجلة “نيوزويك” وعدد من المراكز البحثية المتخصصة أن ظاهرة النينو، المعروفة بتأثيراتها العالمية الواسعة على درجات حرارة المحيطات والتيارات الهوائية، تسهم بشكل مباشر في رفع معدلات تكرار العواصف الساحلية وقوتها.
وتعمل النينو عبر تسخين الطبقات السطحية من مياه المحيط الهادئ الاستوائي، ما يحدث اضطرابًا في أنماط الرياح النفاثة ويغيّر مسارات العواصف فوق أمريكا الشمالية، فيزيد من فرص تشكل عواصف شمال شرقي عنيفة قبالة الساحل الأطلسي.
وإلى جانب النينو، يُشير الباحثون إلى عوامل مساعدة تزيد من حدة الوضع، أبرزها الارتفاع المستمر في درجة حرارة مياه المحيط الأطلسي، وارتفاع منسوب البحر الناتج عن ذوبان الجليد، الأمر الذي يقلص قدرة السواحل على امتصاص أمواج العواصف ويضاعف من خطر الفيضانات الساحلية، خاصة في المدن المنخفضة مثل نيويورك وبوسطن ونيوجيرسي.
انعكاسات مباشرة على البنية التحتية والمجتمعات
يضع هذا الوضع الاستثنائي البنى التحتية والمجتمعات الساحلية في مواجهة مباشرة مع أمواج عاتية ورياح عارمة قد تتجاوز سرعتها 100 كيلومتر في الساعة، مما يهدد شبكات الكهرباء والطرق والجسور والموانئ.
وقد بدأت الجهات الرسمية في استنفار إجراءاتها الاحترازية، من خلال تحديث أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز خطط الإخلاء، ورفع جاهزية فرق الطوارئ، إضافة إلى مراجعة معايير البناء في المناطق المعرضة للخطر.
ويحذر خبراء المناخ من أن تكرار هذه الظواهر قد يصبح النمط الجديد الذي يجب التعامل معه، لا الاستثناء العابر، ما يستدعي استراتيجيات طويلة الأمد للتكيف المناخي، تشمل حماية السواحل بحواجز طبيعية كالكثبان الرملية والأشجار، وتطوير أنظمة تصريف مياه أكثر كفاءة، والاستثمار في أبحاث رصد النينو وتأثيراته على المستوى الإقليمي.
خلاصة: درس من الطبيعة في عدم الاستهانة بالهدوء
ما يحدث على الساحل الشرقي الأمريكي يذكّر بأن الهدوء الظاهر في موسم الأعاصير لا يعني بالضرورة الأمان، وأن الأنظمة المناخية مترابطة بدرجة تجعل حدثًا بعيدًا في المحيط الهادئ قادرًا على إشعال أزمة على شواطئ الأطلسي.
وبينما يواصل العلماء دراسة تفاعلات النينو مع التيارات الجوية، يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك المجتمعات الساحلية ما يكفي من الاستعداد لمواجهة عواصف قد تكون القادمة الأكثر عنفًا؟.

التعليقات