يعيش ريال مدريد هذه الأيام واحدة من أكثر مراحله حساسية في السنوات الأخيرة، إذ تحوّل كواليس “سانتياغو برنابيو” إلى ما يشبه غرفة عمليات مفتوحة على كل الاحتمالات.
الأداء المتذبذب والنتائج المخيبة للآمال في المسابقات المحلية والأوروبية وضعا إدارة النادي الملكي برئاسة فلورنتينو بيريز أمام واقع صعب، بعد سنوات من الاستقرار المدعوم بالبطولات والأرقام القياسية.
ضغوط متصاعدة على الجهاز الفني
أجمعت تقارير صحفية متقاطعة على أن النتائج السلبية الأخيرة وضعت الجهاز الفني بقيادة المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو تحت ضغوط استثنائية، ولم يعد الحديث عن مستقبله مجرد تكهنات إعلامية، بل أصبح ملفاً مفتوحاً داخل أروقة الإدارة.فالمشكلة لم تعد تتعلق بالخسارة وحدها، بل بطريقة اللعب ونمط الأداء الذي بات موضع انتقاد واسع، وبفارق النقاط الذي أخذ يتسع في سلم الترتيب، إضافة إلى المعاناة في دوري أبطال أوروبا الذي يشكّل عصب مشروع النادي الملكي.في المقابل، تصاعدت حدة الغضب الجماهيري في المدرجات وعلى منصات التواصل الاجتماعي، إذ اعتادت الجماهير على الانتصارات والأداء الراقي، وأصبحت المطالبات بتغيير جذري في القيادة الفنية أكثر جرأة ووضوحاً مع كل مباراة مخيبة.
لماذا تعثّر مشروع مورينيو؟
لم تأتِ الأزمة من فراغ، بل تراكمت عبر مجموعة من العوامل المتشابكة:- الإصابات المتلاحقة في مراكز حساسة، خصوصاً في الخط الخلفي ووسط الميدان، ما أربك حسابات المدرب وأجبره على خيارات اضطرارية.
- غياب التوازن بين الدفاع والهجوم، حيث ظهر الفريق متعرضاً لمرتدات كثيرة، وعاجزاً عن ترجمة الاستحواذ إلى أهداف حاسمة.
- تراجع أداء بعض النجوم الكبار وتراجع الانسجام داخل غرفة الملابس، وهو ما فتّت من وحدة المجموعة في اللحظات الصعبة.
- الحمل البدني الكثيف مع تعدد المسابقات، وظهور علامات الإرهاق واضحة في الشوط الثاني من مباريات مفصلية.
ديشامب على رأس قائمة البدائل
في هذا السياق، برز اسم الفرنسي ديديه ديشامب كأبرز المرشحين لخلافة مورينيو.فالمدرب الذي قاد منتخب فرنسا إلى التتويج بمونديال 2018 وبلوغ نهائي 2022، يتمتع بسجل حافل يجعله خياراً منطقياً في نظر إدارة النادي الملكي.
فديشامب معروف بقدرته على بناء مجموعات متماسكة، وفرض الانضباط التكتيكي، وإدارة غرف الملابس المليئة بالنجوم والأنانية الكروية، وهو ما تعتبره الإدارة “الدواء المناسب” لإعادة الروح القتالية والصلابة الذهنية.ولا تقتصر ميزة ديشامب على الجانب الفني، بل تمتد إلى خبرته في التعامل مع الضغط الإعلامي الهائل، وقدرته على حماية لاعبيه وتوجيه الانتقادات بعيداً عنهم، وهي مهارات تحتاجها قلعة “برنابيو” بقدر ما تحتاج إلى خطة لعب.
سيناريوهات الإدارة بين الحسم والتريّث
تدرس الإدارة حالياً ثلاثة مسارات رئيسية: الأول يتمثل في منح مورينيو فرصة أخيرة حتى نهاية الموسم ثم تقييم شامل لملفه، والثاني يقضي بالتفاوض المبكر مع ديشامب لضمان انتقال منظم دون فراغ فني، أما الثالث فيقوم على تعيين مدرب مؤقت من داخل النادي لتخفيف حدة الأزمة ريثما يُحسم الملف النهائي.ويبقى عامل حاسم في المعادلة، وهو ارتباط ديشامب بعقد مع الاتحاد الفرنسي، وارتباطه العلني بمشروعه مع الديوك في الاستحقاقات المقبلة، ما قد يجعل المفاوضات معقدة وتتطلب تعويضاً مالياً كبيراً أو انتظاراً حتى نهاية الارتباط.ماذا يعني التغيير لريال مدريد؟
أي قرار بتغيير الجهاز الفني سيحمل تبعات تتجاوز النتائج إلى السياسة الرياضية للنادي، بدءاً من ملف الانتقالات ومستقبل بعض اللاعبين الخريجين من مشروع مورينيو، وصولاً إلى طريقة التعامل مع المواهب الشابة في الأكاديمية.فالانتقال من أسلوب صارم قائم على الخبرة إلى أسلوب جديد قد يتطلب وقتاً لا يتوفر دائماً في مدريد، حيث تُقاس الفترات بالألقاب لا بالأشهر.
خلاصة
ريال مدريد يقف اليوم أمام مفرق طرق حقيقي: إما استعادة الثقة بمورينيو وانتظار صحوة تبدو صعبة مع استمرار الضغوط، أو فتح صفحة جديدة مع شخصية قيادية مثل ديشامب تحمل جديداً من الأمل والخبرة.وفي الحالتين، الكرة الآن في ملعب فلورنتينو بيريز، الذي اعتاد أن يحسم ملفاته الكبرى بسرعة وحزم، وربما تكون الأيام المقبلة كفيلة بالكشف عن ملامح المرحلة القادمة في “سانتياغو برنابيو”.

التعليقات