في خطوة جديدة تعزز الدور الريادي الذي تضطلع به دار الإفتاء المصرية في نشر قيم الوسطية والاعتدال حول العالم، واصلت الدار جهودها الحثيثة في مجال تدريب وتأهيل الطلاب الوافدين، ولا سيما أبناء دولة تايلاند الدارسين في رحاب مؤسسة الأزهر الشريف العريقة، وذلك عبر برامج تدريبية متخصصة تُعرّفهم بأحدث آليات صناعة الفتوى وضوابطها الشرعية المنضبطة، بما يتوافق مع متطلبات العصر الحديث وتحدياته المتجددة.
فهم الواقع المعاش.
حجر الأساس لفتوى سليمة.
أكد الشيخ عبدالله عجمي خلال فعاليات البرنامج التدريبي أن الإلمام التام بواقع المستفتين والبيئة التي يعيشون فيها يمثل الركيزة الأساسية للتنزيل السليم للأحكام الشرعية على أرض الواقع.
وأوضح أن المجتهد الحقيقي لا يمكن أن يعيش بمعزل عن مجتمعه، بل ينبغي أن يدرس الملابسات المحيطة بكل حالة على حدة، لضمان تقديم فتوى رصينة تجمع بين الأصالة الفقهية والمعاصرة الواقعية.
وشدّد المحاضر على أن الفتوى في جوهرها عملية إنزال للنص على الواقع، ومن ثم فإن تغافل المفتي عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمستفتي قد يؤدي إلى فتوى منفصلة عن الواقع، وقد تُنتج تشدداً أو تهاوناً في غير موضعه.
التمييز بين الثوابت والمتغيرات الفقهية
تطرّق اللقاء التدريبي إلى ضرورة إتقان ضوابط الاختيار الفقهي، والتعامل الواعي مع أحاديث الأحكام في ضوء قواعد الاستدلال المعتبرة.
وأبرز المحاضرون أهمية الاجتهاد المنضبط الذي يراعي طبيعة النصوص الشرعية، ويميّز بدقة متناهية بين الأمور القطعية الثابتة التي لا تقبل التغيير، والمسائل الظنية التي تحتمل الاجتهاد وتتغير بتغير الزمان والمكان.
هذا التمييز الدقيق، وفق ما طرحه المحاضرون، يُعد حصانة علمية تمنع الانزلاق نحو التطرف أو التشدد في الخطاب الديني من جهة، أو التسيب والتفريط في الثوابت من جهة أخرى، ويحفظ للفتوى توازنها وموضوعيتها.
بناء قدرات الطلاب الوافدين بالأزهر
تأتي هذه الورش التدريبية المكثفة في سياق رسالة دار الإفتاء المصرية المستمرة لنشر الفكر الوسطي المستنير حول العالم.
فمن خلال إعداد هؤلاء الطلاب علمياً ومهارياً — عبر تدريبات عملية على صياغة الفتوى وتحليل النوازل المعاصرة — تُهيَّأ لهم فرص أن يكونوا سفراء حقيقيين للإسلام الوسطي في بلادهم.
ويُتوقع أن يتمكن هؤلاء المتدربون من تفكيك الفكر المتطرف والرد على الشبهات بحكمة وبصيرة نافذة، وأن يسهموا في تقديم خطاب ديني يلبي احتياجات مجتمعاتهم في جنوب شرق آسيا، حيث تتعدد الثقافات وتتنوع التحديات الفكرية.
دلالات وأثر متوقع
يُبرز هذا البرنامج البعد الدولي لمؤسسة الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، ويؤكد أن الاستثمار في تأهيل الطلاب الوافدين هو استثمار في استقرار الخطاب الديني عالمياً.
فحين يعود هؤلاء الطلاب إلى بلدانهم مسلحين بالمنهج الوسطي وضوابط الاجتهاد المعتبرة، يصبحون خطوط دفاع أولى أمام موجات الغلو والتطرف الفكري، بما يعزز صورة الإسلام السمحة ويخدم قضايا الاعتدال والانفتاح الحضاري.

التعليقات