التخطي إلى المحتوى

بقلم د.

رضا عادل فاضل.

ليست الجوائز الكبرى أحداثاً بروتوكولية عابرة تُمرّ في نشرات الأخبار، بل إشارات رمزية تكشف أين تتحرك الشرعية في لحظة تاريخية بعينها، وأي القضايا صارت قادرة على اختراق أسوار الإجماع الرسمي.

ولهذا بدا الانزعاج الإسرائيلي من منح نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026 أكبر بكثير من مجرد اعتراض على اسم فائز، فالمسألة لم تكن يوماً مسألة أسماء بقدر ما هي مسألة اعتراف مؤسسي.

من هي نافي بيلاي؟ سيرة قانونية تُقلق السلطة لا تُطمئنها

بيلاي ليست ناشطة عابرة في المشهد الحقوقي، ولا وجهاً جديداً في منصات التكريم.

إنها قاضية جنوب أفريقية بدأت مسارها المهني محامية في مواجهة نظام الفصل العنصري، ثم شاركت في صياغة الدستور الجنوب أفريقي بعد نهاية الأبارتايد عام 1994، وأسهمت في تجربتها الانتقالية في بناء معايير العدالة في دولة تخرج من ظلم مؤسسي.

تدرّجت في القضاء الدولي حتى ترأست المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، حيث أصدرت قرارات كانت الأولى من نوعها في إدانة الإبادة الجماعية وتحديد الاغتصاب كسلاح وجريمة ضد الإنسانية، ثم عملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، وشغلت منصب المف Commissioner السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014، وواجهت آنذاك ضغوطاً أمريكية وإسرائيلية واسعة بسبب تقاريرها عن غزة وسوريا وميانمار وسريلانكا.

ثم ترأست لاحقاً لجنة التحقيق الأممية بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي اللجنة التي خلصت في سبتمبر 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، موثقة وقائعها في تقرير قانوني طويل استند إلى مئات الشهادات والصور والأدلة الميدانية والتحليلات الطبية.

وحين يُكرَّم صاحب هذا الرصيد القانوني والأخلاقي، يتحول الاتهام من رأي ناقد إلى اعتراف مؤسسي بوزنه، وهنا تحديداً تكمن الحساسية التي أزعجت إسرائيل.

الرد الإسرائيلي: ما قالته إسرائيل بالضبط

وقد جاء الرد الإسرائيلي الرسمي ليؤكد هذه القراءة، إذ اعتبرت إسرائيل أن منح الجائزة يضفي شرعية على ما وصفته بالكراهية المعادية لها، وربطت بين التكريم وحملات نزع الشرعية عنها.

وفي هذه العبارة يظهر جوهر المأزق، فبدلاً من مناقشة الوقائع التي وثقتها لجنة التحقيق وتكييفها القانوني أمام الرأي العام، ينتقل الجدل إلى دوافع الجهة المانحة والفائزة معاً، وهي آلية دفاعية مألوفة في الخطاب السياسي حين يضيق هامش الرد الموضوعي ويتعذّر الجدال في الأدلة.

نوعان من النفوذ: الخطابي والصلب

ويستلزم التحليل هنا التمييز بين نوعين من النفوذ، الأول هو النفوذ الخطابي، أي القدرة على تحديد ما يمكن قوله وما يُحظر، وعلى ربط أي نقد لإسرائيل بالعداء لليهود.

وهذا النفوذ يتآكل بوضوح، فقد تبدلت صورة إسرائيل لدى قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي، وبخاصة بين الأجيال الشابة، وانكسر الإجماع الحزبي القديم في الولايات المتحدة، وصدرت أحكام وقرارات وأوامر توقيف دولية لم يكن أحد يتصور صدورها قبل عقد من الزمن، واعترفت دول غربية وازنة بدولة فلسطين، في مؤشر على تحوّل عميق في بنية الشرع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *