في واحدة من أكثر القضايا الجنائية التي شغلت الرأي العام المصري خلال الآونة الأخيرة، أودعت محكمة جنايات القاهرة، المنعقدة بالتجمع الخامس برئاسة المستشار هشام الدرندلي، التقرير الطبي النهائي للجنة الثلاثية المكلفة بفحص الحالة النفسية والعقلية للمتهم في القضية المعروفة إعلامياً بـ”مذبحة أسرة التجمع الخامس”، في خطوة وصفتها أوساط قانونية بأنها الحلقة الحاسمة التي طالما انتظرها الجميع.
ماذا جاء في التقرير الطبي؟
كشف التقرير الرسمي، الذي أعدته نخبة من كبار استشاري الطب النفسي والطب الشرعي، أن المتهم يتمتع بكامل قواه العقلية والإدراكية، وأنه لا يعاني من أي اضطراب نفسي أو عقلي من شأنه أن يفقدـه السيطرة على أفعاله أو يفقده القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ وقت ارتكاب الجريمة.
ويعد هذا الاستنتاج، وفق ما يؤكده المختصون، الركيزة الأساسية في تحديد المسؤولية الجنائية، إذ إن سلامة الإدراك تعني أن المتهم كان مدركاً لطبيعة فعله ونتائجه ومصمماً على إتيانه بإرادته الحرة.
سقوط دفاع “عدم المسؤولية”
بهذا التقرير، تسقط الورقة الأخيرة التي كان يعوّل عليها فريق الدفاع، والمتمثلة في الدفع ببطلان المسؤولية الجنائية استناداً إلى ادعاء المرض النفسي أو العقلي.
فالقانون المصري، في مواد متفرقة من قانون العقوبات، يعفي من المسؤولية الجنائية فقط من يفقد إدراكه أو حريته في الاختيار وقت ارتكاب الفعل، وهو ما نفته اللجنة الطبية بشكل قاطع، مما يفتح الطريق أمام محاكمة موضوعية تتناسب مع جسامة الجرم.
محاولات متكررة للمراوغة
وخلال مراحل التحقيق والمحاكمة، سعى المتهم مراراً إلى تقديم صورة توحي باختلال حالته العقلية، في محاولة للهروب من العقاب أو تخفيفه، غير أن التقرير الطبي القاطع وضع حداً لهذه المحاولات، حيث أكد أن أي سلوكيات ظهرت منه كانت مقصودة ومدروسة لإضفاء شكوك حول سلامة قواه الذهنية.
مسار القضية قانونياً
من الناحية الإجرائية، يعتبر التقرير الطبي الصادر عن اللجنة الثلاثية دليلاً فنياً بالغ الأهمية، ويخضع لتقدير محكمة الموضوع التي تملك سلطة الأخذ به أو مناقشته، لكن ثقله الكبير يأتي من كونه صادراً عن متخصصين لا يوجد مصلحة لهم في الدعوى.
وبموجب القانون، فإن إيداع هذا التقرير يجعل الأدلة الجنائية مكتملة حول تعمد المتهم ومبادرته بالتنفيذ بوعي وإرادة حرة، وهو ما يدعم المطالبة بتنفيذ العقوبة القصوى في جرائم القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.
أثر التقرير على الرأي العام
لم يقتصر تأثير هذه السطور الطبية على قاعة المحكمة، بل امتد إلى الشارع المصري الذي يترقب باهتمام بالغ كلمة القضاء.
فالمتابعون يرون في هذا التطور خطوة نحو إحقاق الحق وإنهاء تكهنات رافقت القضية منذ بدايتها، في حين تتطلع أسرة الضحايا إلى عدالة ناجزة تعيد إليهم بعضاً من الطمأنينة وتردع كل من تسول له نفسه إيذاء الآخرين.
الخلاصة
بات في حكم المؤكد أن قضية مذبحة أسرة التجمع الخامس دخلت مراحلها الأخيرة، بعد أن أسقط التقرير الطبي كامل قواه العقلية بين يدي المتهم، فلم يبقَ إلا أن ينطق القضاء بكلمته الفصلية في جريمة هزت وجدان المصريين، وتركت جرحاً عميقاً في الذاكرة الجماعية.

التعليقات