في خطوة دبلوماسية غير مسبوقة، ألقى العاهل المغربي الملك محمد السادس خطاباً نارياً أمام أعضاء البرلمان المغربي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية الأولى، وضع فيه النقاط على الحروف بشأن مستقبل العلاقات الثنائية مع إسبانيا.
الخطاب، الذي تابعته الأوساط السياسية والإعلامية في ضفتي المضيق باهتمام بالغ، كشف عن تصدع واضح في واحدة من أعرق الشراكات الإقليمية وأكثرها حساسية.
رسالة ملكية واضحة: الشراكة لم تعد مفروشة بالورد
أكد الملك محمد السادس في كلمته أن مسار الشراكة الإستراتيجية بين المغرب وإسبانيا لم يعد يسير بسلاسة كما كان يُتصور، بل أصبح يصطدم بعقبات وتحديات حقيقية على أرض الواقع.وأشار بوضوح إلى أن السبب الجوهري وراء هذه العراقيل يعود إلى ما وصفه بـ”الاستغلال المفضوح” لمكاسب هذا التعاون من قِبل جهات معينة، وهو ما يفرض — بحسب الملك — إعادة تقييم شاملة لطبيعة التعاملات المستقبلية، بما يضمن حفظ المصالح العليا للبلاد وعدم السماح بأي استغلال غير مشروع للاتفاقيات المشتركة.وتُعد هذه اللغة المباشرة والصريحة قطيعة مع النهج الدبلوماسي التقليدي الذي طالما ميّز العلاقات المغربية الإسبانية، حيث كان الجانبان يعالجان خلافاتهما بعيداً عن الأضواء.
وتكمن أهمية الخطاب في كونه صادراً عن أعلى سلطة في البلاد وأمام ممثلي الأمة، ما يمنحه ثقلاً دستورياً وسياسياً يجعل تجاوزه مستحيلاً.
سياق إقليمي معقد وحسابات دقيقة
تأتي هذه التصريحات النارية في وقت تمر فيه المنطقة المغاربية والبحر الأبيض المتوسط بتحولات عميقة، من ملف الهجرة غير النظامية إلى التعاون الأمني في مكافحة الإرهاب، مروراً بالتبادل التجاري والطاقة.وتشكّل العلاقات المغربية الإسبانية ركيزة أساسية لاستقرار غرب المتوسط، إذ يربط البلدين أكثر من 14 كيلومتراً من الحدود البحرية، وتبادل تجاري سنوي يتجاوز 12 مليار يورو، فضلاً عن آلاف العمال المغاربة في إسبانيا وملايين المهاجرين في الاتجاهين.من جهة أخرى، تعد إسبانيا أحد أهم أسواق الصادرات المغربية، وتمثل المفارق البحرية بين البلدين (طنجة-الجزيرة الخضراء) شرياناً حيوياً لنقل البضائع والمسافرين.
هذا التشابك الاقتصادي العميق يجعل أي توتر دبلوماسي مكلفاً للطرفين، ويفسر الحساسية الشديدة التي تكتنف المواقف الرسمية من كلا الجانبين.
تداعيات محتملة على الأمن والتعاون الثنائي
يرى مراقبون أن تصريحات العاهل المغربي تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من “الندّية” وإعادة صياغة القواعد الحاكمة للتعاون الثنائي.فالمغرب، الذي يشعر أن بعض الشركاء يستفيدون من الاتفاقيات دون تقديم التزامات متماثلة، قد يتجه إلى مراجعة أولوياته في ملفات حساسة مثل إدارة الهجرة ومكافحة الإرهاب، وهما ملفان يُنظر إليهما في مدريد على أنهما تتفضّل فيه الرباط بكثير من الجهد.كما أن هذا التصعيد قد يعيد إلى الواجهة ملفات عالقة لطالما شكّلت نقطة توتر بين البلدين، ومنها قضية الصحراء المغربية والموقف الإسباني منها، وملف مدينة مليلية وسبتة، والخلافات المرتبطة بالمياه الإقليمية والثروات البحرية.
وكل ذلك يتقاطع مع تنافس إقليمي أوسع بين القوى الكبرى على النفوذ في المنطقة.
ماذا بعد الخطاب الملكي؟
تترقب الدوائر السياسية في مدريد والرباط ردود الفعل الرسمية والخطوات القادمة.خيار التهدئة ممكن إذا استجابت إسبانيا لدعوات المغرب إلى مراجعة ميزان المكاسب والالتزامات، بينما يبقى التصعيد الواسع خياراً مكلفاً قد يمسّ ملفات التعاون الأمني والاقتصادي الحساسة.وفي المحصلة، يبدو أن الرباط قررت الانتقال من منطق “إدارة الخلافات” إلى منطق “فرض شروط الشراكة”، وهو تحوّل قد يعيد رسم خريطة العلاقات في غرب المتوسط لسنوات قادمة، ويجعل من كل خطوة دبلوماسية قادمة اختباراً حقيقياً لنيات الطرفين وصدق التزاماتهما تجاه شراكة استراتيجية عمرها عقود.

التعليقات