التخطي إلى المحتوى

يواجه ملايين المسلمين المقيمين في الدول الأوروبية إشكالية عملية يومية تتعلق بالتوفيق بين التزاماتهم الدينية ومتطلبات الحياة في الغرب، ومن أبرز هذه الإشكاليات مسألة أداء صلاة الجمعة في وقتها المعهود لدى المسلمين في الدول الإسلامية.

فمواعيد العمل والدراسة الصارمة، وضيق الوقت المتاح في منتصف النهار، وقلة المساجد الجامعة القريبة من أماكن العمل، كلها عوامل تجعل أداء فريضة الجمعة في وقت الظهيرة أمراً بالغ الصعوبة، مما دفع كثيراً من المسلمين إلى البحث عن الحكم الشرعي المعتمد في هذه المسألة.

السؤال الوارد إلى دار الإفتاء المصرية

استقبلت دار الإفتاء المصرية استفساراً من أحد أبناء الجاليات المسلمة في دولة أوروبية، يتعلق بمدى جواز إقامة صلاة الجمعة قبل دخول وقت الزوال، أي قبل زوال الشمس عن وسط السماء وهو الوقت الذي يدخل به وقت صلاة الظهر عادة.

وقد جاء السؤال مدفوعاً بظروف العمل القاسية التي تحول دون تمكن المسلمين من التجمع في المسجد وقت الظهيرة.

مفهوم وقت الزوال وأهميته في الصلاة

يُقصد بالزوال انحراف الشمس عن كبد السماء، وهو العلامة الفلكية التي يبدأ عندها وقت صلاة الظهر في الفقه الإسلامي.

وقد أجمع جمهور الفقهاء على أن الزوال هو الوقت الأصلي لصلاة الجمعة، واختلفوا في جواز تقديمها عليه عند الحاجة.

وللزوال علامتان: زيادة ظل الشمس بعد تناهي قصرِه، وميلها نحو جهة الغرب، وهو ما يمكن للمصلي ملاحظته بسهولة في الأيام المشمسة.

آراء الفقهاء في تقديم الجمعة قبل الزوال

اتفق جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة على أن وقت صلاة الجمعة يبدأ بزوال الشمس، ويستمر حتى نهاية وقت الظهر.

أما الحنفية فقد ذهبوا إلى جواز إقامة صلاة الجمعة قبل الزوال في الأصل، معتبرين أن وقت الجمعة يشبه وقت صلاة العيد من حيث السعة.

وقد تحركت لجان الفتوى في كثير من الدول الإسلامية والأقليات المسلمة نحو تبني رأي التيسير عند تحقق الحاجة، استناداً إلى قاعدة رفع الحرج ودفع المشقة، وبخاصة عندما يصعب على الجاليات الإسلامية الاجتماعية في مواعيد العمل الرسمية.

دور دار الإفتاء في خدمة المغتربين

تواصل دار الإفتاء المصرية جهودها للإجابة عن التساؤلات الفقهية المستجدة التي تخص المسلمين خارج البلاد، من خلال أمانة الفتوى ومركز الأبحاث وبرامج الفتاوى المباشرة عبر المنصات الرقمية.

وتؤكد الدار باستمرار على ضرورة مراعاة خصوصية ظروف الأقليات المسلمة بما لا يخالف ثوابت الشريعة، عبر الموازنة بين المصالح الجزئية والكلية، والأخذ بأحكام التيسير التي تحقق مقاصد الشريعة وتدفع الحرج عن المكلفين.

الحكم الشرعي وضوابطه العملية

ومن المتوقع أن تتضمن الفتوى الرسمية التفاصيل الكاملة والأدلة الفقهية المؤيدة للرأي الشرعي المعتمد، لتكون مرجعاً أساسياً لكل مسلم يعيش في الغرب يبحث عن اليقين في أمور دينه.

ويمكن إجمال الضوابط العملية لتقديم صلاة الجمعة قبل الزوال في الآتي:.

  • أن تتحقق حاجة أو مشقة حقيقية، خلاف التقديم لمجرد الراحة أو الهوى.
  • أن يتفق جماعة المسجد على الوقت المحدد لتفادي الانقسام والاختلاف داخل الجالية.
  • أن يكون الوقت المختار قريباً من الزوال، فلا يجوز إقامة الجمعة في الصباح الباكر.
  • الالتزام بعدم أداء سنة الجمعة القبلية، لأن الجمعة لا سنة لها قبلها عند الجمهور.
  • الأخذ بأيسر الأقوال فقهياً عند تأكيد الحاجة، مع الحفاظ على هيئة الجماعة وخطبتها.

خاتمة

تشكل هذه الفتوى حلقة جديدة في مسيرة الاجتهاد الجماعي الذي يعالج مشكلات الأقليات المسلمة المقيمة في الغرب، ويعكس الصورة السمحة للشريعة الإسلامية القادرة على الاستجابة لمتطلبات العصر ومستجدات الواقع، دون تفريط في الثوابت أو تجاوز للضوابط الشرعية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *