مقدمة: تساؤلات المصلين في مساجد مصر كل جمعة
لا تكاد تمر جمعة واحدة في مساجد مصر دون أن يتردد على ألسنة المصلين سؤال متكرر حول بعض الممارسات التعبدية التي ألفوها جيلاً بعد جيل، وأبرزها سر التبكير بالنداء للصلاة عبر أذانين متتاليين، وتلاوة القرآن الكريم بصوت جهوري قبل إقامة الشعيرة الكبرى.
هذا الجدل الفقهي الواسع دفع دار الإفتاء المصرية إلى التدخل وحسم المسألة بطريقة حاسمة ومبسطة تطمئن قلوب الملايين وتضع الأمور في نصابها الشرعي.
حقيقة مشروعية الأذان الأول والثاني لصلاة الجمعة
أوضحت دار الإفتاء المصرية في ردها على استفسارات المواطنين أن الأخذ بأذانين في يوم الجمعة ليس بدعة ولا أمراً مستحدثاً في الدين، بل هو سنة فعلية مستقرة أقرها الصحابة الكرام في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه.
وقد جاء هذا الإقرار عندما كثر المسلمون واتسعت رقعة المدينة المنورة، وبات الناس بحاجة إلى تنبيه مبكر للاستعداد والتفرغ لعبادة الله.
وقد وافق على ذلك سائر الصحابة دون إكراه، ليبقى هذا النداء الأول سنة مؤكدة تضاف إلى الأذان الثاني المعتاد عند خروج الإمام وصعوده المنبر.
الحكمة من الأذان الأول
- التنبيه المبكر: إشعار المصلين بقرب موعد الصلاة ليستعدوا ويهجروا الانشغال بالدنيا.
- التيسير على المصلين: إتاحة وقت كافٍ لمن يسكن بعيداً عن المسجد حتى يدرك الجمعة.
- تعظيم الشعيرة: إظهار مكانة صلاة الجمعة وإبراز أهميتها بين سائر الصلوات.
ضوابط الالتزام بالسنة
أكدت الفتوى أن الأذان الأول يُرفع في الوقت الذي اعتاده الناس قبل الخطبة، والأذان الثاني يكون عند جلوس الإمام على المنبر أو قبل الشروع في الخطبة، فلا ينبغي تقديم أحدهما على الآخر أو دمجهما بما يخل بهيئة الشعيرة.
كما شددت على أن الالتزام بهذا الترتيب هو ما جرى عليه عمل المسلمين في الأمصار على مر القرون، وهو ما يستحب الحرص عليه اقتداءً بالسلف الصالح.
ضوابط وحكم قراءة القرآن جهرًا في المساجد قبل صلاة الجمعة
وفي السياق ذاته، تطرقت الفتوى الرسمية إلى مسألة تلاوة القرآن الكريم بصوت مسموع داخل المساجد قبيل صعود المنبر، حيث أكدت أن الجهر بالقرآن في هذا التوقيت يُعد من الأعمال الصالحة المستحبة، لما فيه من تهيئة القلوب بخشوع لاستماع خطبة الجمعة ونشر الطمأنينة والروحانية بين جموع الحاضرين.
شروط جواز الجهر بالقراءة
وقد قيدت الفتوى استحباب الجهر بعدد من الضوابط المهمة، منها:
- عدم التشويش على مصلٍّ آخر يؤدي فرضه أو سنته.
- عدم إزعاج النائمين داخل المسجد أو إحداث تاعب للمتعبدين.
- أن يكون الهدف الأساسي تهيئة الأجواء الإيمانية لا مجرد إظهار الصوت أو المباهاة به.
- مراعاة التوقيت المناسب بحيث لا يتعارض الجهر مع تدارُس العلم أو الدروس الشرعية.
آراء الفقهاء في الأذانين وقراءة القرآن قبل الخطبة
يُجمع جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة على أن الأذان الأول يوم الجمعة سنة مؤكدة ثابتة عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، مستدلين بما ورد في صحيح البخاري من حديث السائب بن يزيد رضي الله عنه.
أما الشافعية والمالكية فقد نصوا على استحباب القراءة قبل الخطبة، بينما ذهب بعض الحنابلة إلى جواز الجهر ما لم يشق على المصلين، وهو ما يتفق في جوهره مع ما أقرته دار الإفتاء المصرية من ضوابط واضحة.
الخلاصة والتوصيات
يمكن تلخيص ما انتهت إليه دار الإفتاء المصرية في أن الأذانين يوم الجمعة سنة متبعة بها تُعظَّم الشعيرة، وأن الجهر بالقرآن قبل الخطبة مستحب بشرط عدم الإضرار بالمصلين.
وبهذا تُسدّ أبواب الجدل وتبقى المساجد موضعاً للطمأنينة والخشوع، كما دعت الدار الأئمة والمصلين إلى الالتزام بهدي السنة وأدب بيوت الله، والتعاون على البر والتقوى بما يحفظ وحدة الصف وجماعة المسلمين في مصر المحروسة.

التعليقات