التخطي إلى المحتوى

بقلم الإعلامية: شيرين سيف

غنى الفنان الكبير الراحل هاني شاكر يومًا: «أصاحب مين؟».

سؤال بدا عاديًا في سياق أغنية عاطفية، لكنه عاد هذا العام ليتحوّل إلى استفهام قاسٍ يتردد في كواليس دار الأوبرا المصرية: في دورة تحمل اسم «أمير الغناء العربي»، مَن ذا الذي يصاحب صاحبه ويقف إلى جواره؟.

الدورة الرابعة والثلاثون.

تكريم اسم بحجم تاريخ

.

تحمل الدورة الرابعة والثلاثون من مهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية اسم الفنان الراحل هاني شاكر، وتُقام فعالياتها في الفترة من 20 إلى 30 أكتوبر 2026 على مسارح دار الأوبرا المصرية، في إهداء كامل لروحه تقديرًا لمسيرة فنية استمرت أكثر من خمسة عقود [ref:17,20].

ولم يقتصر التكريم على الاسم فحسب، بل يتضمن حفل الافتتاح عرضًا لفيلم تسجيلي يتناول مشوار حياة «أمير الغناء العربي» وأبرز المحطات في مسيرته الإبداعية، إلى جانب ليلة غنائية خاصة تحمل اسمه [ref:13,5].

كما أعلن المهرجان تكريم 9 شخصيات بارزة في هذه الدورة، من بينها اسم هاني شاكر، والشاعر رضا أمين، والموسيقار مختار السيد، والفنان طارق فؤاد [ref:15].

وهاني شاكر، للمن لا يعرفه عن قرب، ليس مجرد مطرب، بل صوت ارتبط بوجدان أجيال كاملة، من «على الضحكاية» و«أنا قلبى ليك» إلى «بأحلم بيك» و«نسيان»، ومطرب عاصر تحولات الأغنية المصرية من زمن العمالقة إلى عصر التوزيع الرقمي، وظل محافظًا على مكانة مدرسة الغناء الطربي الأصيل، وهو ما يمنح اسمه ثقلًا يتجاوز أي رقم في ميزانية.

موجة اعتذارات تعيد رسم خريطة الحفلات

لكن الاحتفاء بالاسم اصطدم بواقع أكثر تعقيدًا.

فخلال الأيام التي سبقت الانطلاق، توالت الاعتذارات عن المشاركة من عدد من المطربين، ما دفع القائمين على المهرجان إلى إعادة رسم خريطة الحفلات أكثر من مرة، وتعديل البرنامج المعلن [ref:9,1].

وشملت قائمة المعتذرين أسماء بارزة، وفي مقدمتها علي الحجار الذي كشف أن سبب اعتذاره يتعلق بميزانية وصفها بأنها «ضعيفة ومهينة» لأعضاء فرقته الموسيقية، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول آلية التعاقد مع المطربين والفرق [ref:10].

كما أعلنت الفنانة مروة ناجي اعتذارها، إلى جانب مطربين آخرين، قبل أن تخفّف عودة علي الحجار عن حدة الأزمة في مرحلة لاحقة [ref:7,2].

وربط المايسترو محمد الموجي كواليس هذه الاعتذارات بما وصفه بضغط التوقيت وظروف التفاوض، مؤكدًا أن الدورة تحمل اسمًا بحجم هاني شاكر وكان يفترض أن تكون أولوية للجميع [ref:3]، في حين تحدثت تقارير عن استقالات وتصريحات نارية صاحبت الأزمة [ref:4].

أسباب الاعتذار.

بين الحق المشروع والسؤال الأخلاقي

.

من حيث المبدأ، لكل فنان مطلق الحرية في تقدير أجره واختيار شروط مشاركته، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف الفرق الموسيقية والتوزيع والإضاءة والترتيبات اللوجستية، وهي أعباء يتحملها المطرب أحيانًا من حسابه الخاص.

فلا أحد يطالب الفنانين بالعمل مجانًا، ولا يصح تحويل التكريم إلى اختبار للجود أو مقياس للولاء الشخصي.

غير أن السؤال يبقى مشروعًا في الاتجاه المعاكس: ألم تكن هذه المناسبة تحديدًا جديرة بشيء من التنازل؟ فحين يقف مطرب على مسرح مهرجان يحمل اسم هاني شاكر، فإنه لا يحيي حفلًا كأي حفل، بل يوقع شهادة وفاء لرجل صنع جزءًا مهمًا من تاريخ الأغنية المصرية والعربية، ويكتب ببساطة سطرًا في دفتر الذاكرة الفنية.

مهرجان في موعده.

ومعادلة صعبة

.

ورغم كل ما شهدته الأيام الماضية، أكد رئيس دار الأوبرا المصرية رضا الوكيل أن المهرجان سيُقام في موعده المحدد بمشاركة عشرات الفنانين والموسيقيين، مع تخصيص الدورة لروح هاني شاكر بالكامل [ref:20].

وهو ما يعني أن القائمين على المهرجان واصلوا العمل تحت ضغط مزدوج: إتمام البرنامج المتأثر بالاعتذارات، والحفاظ على الوجه اللائق بمناسبة تكريم بحجم أمير الغناء العربي.

هذه المعادلة ليست جديدة على الوسط الفني المصري، لكنها تتكرر كلما تعارضت فكرة التكريم المجتمعي مع قواعد السوق.

ومهرجان الموسيقى العربية، بما يحمله من تاريخ عريق أنطلق أول مرة عام 1992 تحت رعاية وزارة الثقافة، يُفترض أن يكون مساحة استثنائية لا تختبرها معايير الربح والخسارة، بل يقيسها البقاء في الذاكرة.

سؤال الوفاء الفني

يبقى أن الأمر لا يتعلق بمطالبة أحد بالعمل بلا مقابل، ولا بمحاسبة فنان على شروط تعاقدية مشروعة، بقدر ما يتعلق بفكرة أعمق: هل ما زالت هناك مناسبات يستطيع فيها أبناء الوسط الفني أن يضعوا قيمة الوفاء فوق الحسابات؟ وهل يمكن أن تكون ميزانية مهرجان يعرف الأسماء قبل أن تظهر، بوصفها فرصة لصياغة سابقة تُوسّع القاعدة بدلًا من أن تُضيّقها؟

ربما يكون لكل فنان عذره وحقه، لكن كثرة الاعتذارات في دورة مخصصة لاسم بحجم هاني شاكر تجعل السؤال حاضرًا بقوة: «أصاحب مين؟».

يظل الجواب مفتوحًا ومرتبطًا بضمير كل فنان ورؤيته لمعنى الوفاء الفني في لحظات التكريم، وفي نهاية المطاف، سيتذكر الجمهور الأغاني التي تبقى، وسيتذكر معها مَن وقف إلى جوار الصوت حين كان التكريم أهم من العقد.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *