مقدمة: حين تصبح الورقة سلاحاً أخطر من المدفع
في كل حرب كبرى، تبقى هناك تفاصيل صغيرة تُخفي وراءها أسراراً ضخمة، وفي حرب أكتوبر 1973 كان “القلم” سلاحاً موازياً للبندقية.
ومن هذا المنطلق، أزاح اللواء أركان حرب سمير فرج، الخبير الاستراتيجي والمحلل العسكري المعروف، الستار عن كواليس تُروى بتفصيل غير مسبوق حول “كراسة صلاح فهمي“، تلك الوثيقة التي لعبت دوراً محورياً في تحديد ساعة الصفر وتوقيت الضربة الأولى التي أربكت إسرائيل وأعادت الكرامة العربية.
من هو صلاح فهمي؟ الرجل الذي سبق عقارب الساعة
لم يكن العقيد الراحل صلاح فهمي مجرد ضابط عادي، بل كان رجلاً من طراز خاص، يمتلك قدرة نادرة على الموازنة بين العقل التحليلي والانضباط العسكري الصارم.
عُرف عنه دقته الشديدة في جمع المعلومات وتحليل العوامل الجوية والطبوغرافية، وهو ما جعله محط ثقة القيادة العسكرية المصرية في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ المنطقة.
وكانت مهمته الأساسية تقوم على سؤال واحد حاسم: متى؟ لا كيف، ولا بأي سلاح، بل في أي يوم وأي ساعة بالضبط تنطلق الشرارة الأولى التي ستغير خريطة الشرق الأوسط بالكامل.
كراسة صلاح فهمي.
الصندوق الأسود لتوقيت النصر.
خلال ظهوره الإعلامي وتحليلاته العميقة لاستراتيجيات العبور، أوضح اللواء سمير فرج أن كراسة العقيد صلاح فهمي كانت أشبه بـ”صندوق أسود” يحوي شيفرة النصر.
فقد ضمت الكراسة تدوينات دقيقة عكست مستوى عالياً من الاحترافية والسرية، رصدت فيها كل العوامل التي تحكم قرار التوقيت:.
- العوامل الجوية: دراسة اتجاهات الريح، سرعة التيارات المائية في قناة السويس، ومدى تأثير الضباب والدخان على الرؤية الليلية.
- الظروف الفلكية والضوئية: توقيت غروب الشمس والقمر، لضمان أفضل تمويه ممكن لقوات العبور ومنع العدو من استخدام أجهزة الرؤية الليلية بفاعلية.
- العمليات الإلكترونية: رصد الشبكات اللاسلكية للعدو وتحليل أنماط اتصالاته للتنبؤ بأوقات اليقظة والاسترخاء في الجبهة.
- الجانب النفسي: مراعاة عامل المفاجأة، وأهمية اختيار توقيت يتزامن مع عطلة دينية لدى العدو لتقليل جاهزيته القتالية.
وتُعد مسألة اختيار يوم 6 أكتوبر 1973 بالتحديد مثالاً صارخاً على عبقرية هذا التخطيط، إذ كان اليوم يوافق عيد الغفران (يوم كيبور) عند الإسرائيليين، وهو عيد تتوقف فيه الحياة العامة، مما منح القوات المصرية أفضلية مفاجئة ساهمت في كسر حاجز القناة خلال ساعات قليلة.
لماذا كانت الكراسة محط أنظار المؤرخين؟
يرى الباحثون العسكريون أن قيمة كراسة صلاح فهمي لا تكمن فقط في مضمونها، بل في كونها نموذجاً موثقاً على ثقافة “التخطيط العلمي العسكري” التي ميزت الجيش المصري في تلك الحقبة.
فهي تكشف أن ما جرى في أكتوبر لم يكن اجتهاداً لحظياً، بل عملية حسابية معقدة جمعت بين الرياضيات والأرصاد والاستخبارات وعلم النفس، وصولاً إلى لحظة واحدة لا تتكرر.
بطولات خفية صنعت المعجزة العسكرية
وأضاف اللواء سمير فرج أن بطولات حرب أكتوبر لم تقتصر فقط على ساحات القتال والاشتباكات المباشرة، بل امتدت لتشمل جهوداً جبارة خلف الكواليس بذلها رجال المخابرات والعمليات الخاصة والقوات المسلحة المصرية الباسلة، والذين عملوا في صمت تام لجمع المعلومات وتحليلها بدقة متناهية.
هؤلاء الأبطال لم يحصلوا على أوسمة على شاشات التلفزيون، لكن بصماتهم لا تزال واضحة في كل قرار ميداني.
من ضابط المخابرات الذي راقب تحركات العدو لأسابيع، إلى الفني الذي صان أجهزة الاتصالات في قلب الصحراء، كان الجميع يشكلون خلية واحدة هدفها اسم واحد: مصر.
درس أكتوبر.
كيف يُصنع القرار الاستراتيجي؟.
تكشف قصة كراسة صلاح فهمي عن مجموعة من الدروس الخالدة في إدارة الأزمات وصناعة القرار:
- التوثيق هو نصف النصر: فالمعلومة المدوّنة يمكن مراجعتها والقضاء على الاجتهاد العشوائي.
- الصبر الاستراتيجي: فانتظار اللحظة المثالية أهم من الاندفاع وراء الرغبة في رد الفعل الفوري.
- قيمة العمل الجماعي: فنجاح تحديد ساعة الصفر لم يكن نتاج عبقري فرد، بل نتاج منظومة كاملة تتناغم أجزاؤها.
- الإلمام بالعدو: فمعرفة ثقافة الخصم ومواسمه وعاداته كانت جزءاً أصيلاً من الخطة العسكرية.
أثر أكتوبر على المستوى الإقليمي والعالمي
لم يقتصر أثر حرب أكتوبر على استعادة الأرض والكرامة فحسب، بل أعادت صياغة موازين القوى في المنطقة، ومهدت الطريق لمسار تسويات سياسية لاحقة.
وقد استلهام هذه الحرب العديد من الدراسات العسكرية العالمية التي اعتبرتها نموذجاً في عبور الموانع المائية وتنفيذ هجوم مفاجئ متكامل الأركان.
خاتمة: نصر لم يكن وليد الصدفة
يؤكد الكشف عن تفاصيل كراسة صلاح فهمي أن نصر أكتوبر لم يكن نصراً عابراً أو مصادفة تاريخية، بل كان ثمرة تخطيط علمي وعسكري محكم قام به أبطال ضحوا بأرواحهم وجهدهم لرفع راية الوطن عالية من جديد.
لتظل هذه القصص، بمثل هذه التفاصيل الموثقة، مصدر إلهام للأجيال القادمة في حب الوطن والعمل بإخلاص وتفانٍ، ودرساً بأن العقل المنظم قادر على صناعة التاريخ حين تتوفر الإرادة.

التعليقات