خالد الجندي يفتح ملف الدعاء لولي الأمر من جديد
أعاد الداعية الإسلامي الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، قضية الدعاء لقيادة الدولة إلى صدارة النقاش العام في مصر، بعد تصريحات تلفزيونية واسعة الانتشار تناول فيها الأبعاد الشرعية والوطنية لهذه المسألة، مؤكداً أن الخلاف حولها ناتج عن خلط بين البعد العقدي والبعد السياسي، وأن الفهم الصحيح للدعاء لولي الأمر يقوم على قاعدة دينية راسخة لا تحتمل التأويلات الشخصية أو التوظيف المصلحي.
الخطاب الديني وواقع المجتمع.
علاقة لا تقبل الفصل.
انطلق الشيخ خالد الجندي في طرحه من مبدأ أصيل في فقه الدعوة، وهو أن الخطاب الديني لا يمكن أن يعيش في جزيرة معزولة عن هموم الناس وقضاياهم المصيرية، فالمسجد والمنبر لم يوجدا ليعالجا قضايا العبادات فحسب، بل ليرشدا المجتمع في شؤونه كلها.
ويستند هذا التوجه إلى ما قرره الفقهاء من أن مقاصد الشريعة تشمل حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهي جميعاً لا تتحقق إلا في ظل دولة مستقرة ومؤسسات قادرة على أداء وظائفها.
ومن هنا، فإن ارتباط استقرار الأوطان بصلاح حال القائمين عليها ليس شعاراً خطابياً، بل نتيجة منطقية لسنن الله في الأمم، كما أشار الجندي إلى أن توفيق الله للقائم على أمر الناس في إدارة شؤون البلاد والعباد هو العامل الحاسم في نجاح أي تجربة حكم.
الدعاء لولي الأمر في الميزان الشرعي
يرى Sheikh الجندي أن الدعاء لرئيس الدولة لا ينبغي أن يُصنَّف ضمن دائرة “المجاملة” أو “النفاق”، وهو التصنيف الذي يروّج له بعض الأصوات في الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل.
فالمنطق الذي يقدّمه هو منطق تبادل المصالح العامة لا المصالح الشخصية: أن تدعو لرئيسك بالهداية والتوفيق والسداد هو في حقيقته دعاء للأمة بأسرها، وللاستقرار والأمان الذي يعيش فيه المواطن وبيته وأولاده.
ويجد هذا الطرح جذوراً فقهية معتبرة، إذ قرر عدد من العلماء المعاصرين أن الدعاء لولاة الأمور يحتاج إلى تفصيل دقيق: فيُدعى لهم بالعدل والهداية والرشاد ما داموا على عموم الطاعة، لا مدحاً لما قد يقع من تقصير، ولا تزلفاً لغير مرضاة الله.
وهو فرق لطيف جرى التنبيه عليه في كثير من كتب السياسة الشرعية القديمة عند تناول واجب النصح لولي الأمر.
لماذا يُعد الدعاء للرئيس دعاءً للوطن؟
يشرح عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية هذه المعادلة بمنطق بسيط: نجاح رئيس الجمهورية في مهامه نجاح للدولة المصرية ككل، وحفظه حفظ لأمن واستقرار كل بيت مصري.
فالقرار السياسي والاقتصادي والأمني لا يتوقف أثره عند حدود الحاكم، بل ينتقل مباشرة إلى حياة المواطن، في استقرار الأسعار وأمن الطرق واستمرار التعليم والصحة وفرص العمل.
ومن هذه الزاوية، يبدو الدعاء لولي الأمر بمنزلة صمام أمان اجتماعي، يعزز الثقة بدل أن يهدمها، ويحمي الجبهة الداخلية من الإشاعات التي تتربص بتماسك المجتمع.
ودعا الجندي الجميع إلى إعلاء المصلحة الوطنية العليا، ونبذ كل ما يسهم في هدم جسور الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، من شائعات أو حملات مشبوهة أو اتهامات جاهزة.
المصطلح الشرعي: بين “الدعاء لولي الأمر” و”النصيحة”
تتعدد المصطلحات الفقهية في هذا الباب بين الدعاء والنصيحة والمناصحة، وكلها تصب في مصلحة واحدة: إرادة الخير للقائم على الأمر.
فالدعاء غاية تعبدية يَشترِك فيها المواطن الصالح والعالم والداعية، وهي عبادة قلبية لا تحتاج إلى منبر أو مناسبة، أما النصيحة فهي أسلوب إداري وواجب شرعي عند النصح لا عند التشهير، وتجري في الغالب في قنواتها المعروفة بعيداً عن صخب الشاشات.
هذا التمييز مهم، لأنه يجيب عن تساؤل كثيراً ما يُطرح: هل يعني الدعاء لولي الأمر إغلاق باب النقد؟ والإجابة أن الأدب الشرعي في النصح لا يمنع المراجعة والمحاسبة، لكنه يمنع التحريض وهدم الثقة، وهو ما حاول الجندي تأكيده من خلال دفاعه عن الدعاء كعبادة لا كموقف سياسي.
ردود الفعل واتساع النقاش في الشارع المصري
لم تمر تصريحات الشيخ خالد الجندي مرور الكرام، فقد انقسم التفاعل الشعبي بين مؤيد يرى في الطرح دعوة إلى الالتفاف حول الدولة في وقت عصيب، ومعارض يرى أن المبدأ الشرعي يحتاج إلى تفصيل أدق في التطبيق.
وفي كل الأحوال، كشف الجدل عن حاجة المجتمع إلى خطاب ديني يجمع بين الأصالة والفهم لواقع الحال، بدل أن يتقوقع في إجابات جاهزة عن أسئلة معقدة.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من المتابعين: كيف نفهم الدعاء لولي الأمر في سياق يعرف فيه الناس أن الدعاء عبادة، وأن العبادة تُبنى على الإخلاص لا على المجاملة، وأن استقرار الوطن مصلحة عليا تعلو على كل الحسابات الضيقة؟ وهو السؤال الذي يتركه الجندي مفتوحاً أمام الوعي الجماعي والدعاة والعلماء على حد سواء.
خلاصة
يقدّم الشيخ خالد الجندي رؤية تربط بين العبادة والوطن: الدعاء لولي الأمر ليس نفاقاً، بل فعل تعبدي يعود نفعه على الأمة والاستقرار العام.
ورغم الخلاف الطبيعي حول التطبيق، تبقى القاعدة التي لا يختلف عليها أحد هي أن بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، والعمل على استقرار البلاد، هو الطريق الأمثل لمواجهة الشائعات والتحديات.

التعليقات