التخطي إلى المحتوى

مع حلول اليوم العالمي للمسنين، الذي يُحتفل به في الأول من أكتوبر من كل عام، جدّد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية دعوته لكل الأبناء بضرورة إدراك القيمة العظيمة لبر الوالدين، لا سيما في مرحلة الشيخوخة التي تصبح فيها الحاجة إلى الرعاية والحنان أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

لماذا تكون مرحلة الكبر اختباراً حقيقياً للوفاء؟

أوضح الأزهر الشريف، في بيان رسمي نشره عبر منصاته الرقمية، أن التعامل مع الوالدين عند تقدمهما في العمر يمثل اختباراً عملياً لمدى صدق الأبناء في برّهم، فالوالدان هنا يمران بمرحلة تضعف فيها قدرتهما الجسدية والنفسية على تدبير شؤون حياتهما اليومية، ما يستوجب مضاعفة العطاء والتعامل برحمة لا تنقطع.

واستند البيان إلى قوله تعالى: «وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا» (الإسراء: 23-24)، باعتبارها الأساس القرآني الذي يضبط تعامل الأبناء مع آبائهم وأمهاتهم في هذه المرحلة الدقيقة.

كما استشهد البيان بالحديث النبوي الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، حين قال رجل للنبي ﷺ: «مَن أحقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحابتي؟ قال: أمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: أمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: أمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: أبوك»، وهو ما يؤكد أن البر مبدأ ثابت لا يسقط بتقدم السن، بل يزداد وجوباً.

كيف يكون البر الحقيقي في مرحلة الشيخوخة؟

شدّد علماء الفتوى بالأزهر على أن البر لا يقتصر على الجانب المادي أو سداد النفقات، بل يمتد إلى منظومة من السلوكيات اليومية التي تصنع الفارق الحقيقي، ومنها:

  • المعاملة الطيبة والكلمة الحسنة: فلا يُقابل التعب أو تكرار الطلب إلا بلين القول وسعة الصدر.
  • الصبر على طلباتهما: فاحتياجات الكبير قد تتكرر، والصبر عليها من أعظم أبواب الأجر.
  • الإنصات باهتمام: فالاستماع لحديثهما وقضاء الوقت معهما يعزز إحساسهما بأنهما ما زالا مصدر قيمة وحب في الأسرة.
  • الابتسامة وتوفير الراحة النفسية: فالبشاشة في وجه الوالدين من أيسر الطرق وأكثرها أثراً في إسعادهما.
  • تجنب إشعارهما بالعجز: فلا يجوز أن يوجّه إليهما ما يقلل من شأنهما أو يشعرهما بأنهما عبء.

وأضاف الأزهر أن هذه القيم ليست واجباً دينياً فحسب، بل هي أسس إنسانية لبناء مجتمع متماسك يسوده الود والرحمة، ويعكس صورة الأسرة الممتدة التي تربط أجيالها بميثاق من الاحترام والتقدير.

دور الأزهر في بتّ قضايا البر والعائلة

يُعدّ مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية من أبرز المؤسسات التي تتلقى استفسارات الأبناء حول حدود البر والتعامل مع الوالدين، ويرد على هذه الحالات عبر قنواته الرقمية ومراكز الاتصال، حيث يجمع بين التوجيه الشرعي والتوعية الأخلاقية في معالجة قضايا مثل رعاية الوالدين المسنّين، وإداراتهم النفسية، وتقسيم مسؤوليات الرعاية بين الأبناء والبنات.

رسالة في مواجهة تحديات العصر

تأتي هذه الدعوة في وقت يعاني فيه كثير من كبار السن من العزلة، بسبب انشغال الأبناء بمتطلبات الحياة، أو تغيّر نمط الأسرة، أو انتشار دور الرعاية في بعض المجتمعات.

ومن هنا، تؤكد رسالة الأزهر أن رعاية الوالدين في الكبر تظل مسؤولية لا يمكن التنازل عنها، ولا تُسقطها ظروف العمل أو ضغوط الحياة.

وختم البيان بالتأكيد على أن مثل هذه المبادرات التوعوية تسهم في إحياء ثقافة البر في وجدان الأمة، وتذكّر الجميع بأن إكرام الكبير مبدأ لا يخص الأسرة وحدها، بل يمتد إلى المجتمع كله، وأن برّ الوالدين مفتاح البركة والفلاح في الدنيا والآخرة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *