التخطي إلى المحتوى

في تصريحات نارية أثارت تفاعلاً واسعاً على الساحة الدولية، وصف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب خطوة الانسحاب العسكري من مدينة أربيل العراقية بأنها بمثابة إسدل الستار على مرحلة قاسية ومكلفة للغاية، نعتوها برحلة العذاب التي استنزفت الكثير من الموارد والجهود طوال السنوات الماضية، مشدداً في الوقت ذاته على نجاح القوات في إنجاز المهمة والقضاء على تنظيم داعش الإرهابي داخل الأراضي العراقية نهائياً.

نهاية مرحلة صعبة في كردستان العراق

أوضح ترامب في معرض حديثه عن الأوضاع الأمنية والاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، أن الوجود العسكري الأمريكي في مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق قد شهد محطات بالغة التعقيد، معتبراً أن مغادرة هذه المواقع تمثل خطوة ضرورية لإنهاء مسلسل الإنفاق المالي والبشري الهائل الذي وصفه بالمؤلم والمرهق للخزينة الأمريكية، مؤكداً أن الوقت قد حان لتغيير بوصلة الاهتمامات الاستراتيجية لواشنطن.

وتأتي هذه التصريحات في ظل جدل واسع حول طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في العراق، حيث كانت أربيل ومناطق إقليم كردستان تشكل نقطة ارتكاز محورية للتحالف الدولي منذ عام 2014، حين انطلقت عمليات التحالف لمواجهة تمدد التنظيم.

وقد استضافت القاعدة الجوية في أربيل على مدار سنوات طويلة آلاف الجنود والمستشارين العسكريين، ومثلت مركزاً لوجستياً رئيسياً لتنسيق العمليات الجوية والتدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع قوات البيشمركة والجيش العراقي.

تأكيد الانتصار الحاسم على تنظيم داعش

على الصعيد الميداني والعسكري، حرص الرئيس الأمريكي السابق على إبراز الإنجازات التي تحققت خلال فترة إدارته والسنوات اللاحقة في ملف مكافحة الإرهاب، مؤكداً أن التحالف الدولي والقوات العراقية قد نجحوا بالفعل في تحقيق النصر الكامل والناجز على تنظيم داعش الإرهابي في العراق، وتدمير كافة بنيته التحتية وشبكته القتالية التي كانت تشكل تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي، مما يمهد الطريق لمرحلة جديدة من الاعتماد الذاتي الأمني للعراق.

وكان التنظيم قد أعلن ما يسمى بـ”الخلافة” من مدينة الموصل في يونيو 2017، قبل أن ينهار مشروعه بعد معارك ضارية استمرت أشهراً وبلغت ذروتها بتحرير الموصل في يوليو 2017، تلتها عمليات تمشيط واسعة في مناطق الحويجة والأنبار ووادي حمرين والجزيرة.

ورغم إعلان بغداد النصر النهائي في ديسمبر 2017، استمرت خلايا التنظيم النائمة في شن هجمات متفرقة، ما دفع التحالف إلى الإبقاء على وجوده العسكري لمواصلة مهام “التدريب والتقديم والمشورة” ودعم عمليات مكافحة الإرهاب.

انعكاسات الانسحاب على المشهد الإقليمي

يشير مراقبون إلى أن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في العراق يحمل دلالات استراتيجية متعددة، منها إعادة توزيع الأولويات الأمريكية نحو مناطق أخرى، وزيادة الضغط على القوى المحلية لتولي مسؤولياتها الأمنية بشكل كامل.

كما يطرح الانسحاب تساؤلات حول قدرة القوات العراقية والبيشمركة على مواجهة أي عودة محتملة لخلايا التنظيم، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها والمناطق الجبلية الحدودية، فضلاً عن تداعياته على التوازن السياسي والعسكري داخل إقليم كردستان.

وعلى مستوى الحلفاء، تبرز مخاوف من أن يؤدي تقلص الحضور الأمريكي إلى فراغ أمني قد تستغله أطراف إقليمية نافذة، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة في موازين القوى.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يعني الانسحاب من أربيل نهاية فعلية لمرحلة ما بعد داعش، أم أنه مجرد تعديل تكتيكي في شكل الحضور لا في جوهره؟.

في المحصلة، تبدو تصريحات ترامب تعبيراً عن رؤية ترى في العراق ساحة لم تعد تستحق التكلفة ذاتها، بينما يرى آخرون أن التخلي عن المواقع المتقدمة قد يعيد فتح ملف الاستقرار الهش الذي تحقق بصعوبة بالغة على مدار سنوات من الحرب والدمار وإعادة الإعمار.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *