التخطي إلى المحتوى

يشهد الشارع القانوني والسياسي في مصر حراكاً واسعاً حول ملف التشريعات القضائية، وفي مقدمتها قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذي يُعدّ نقلة نوعية في منظومة العدالة وتعزيز ضمانات حقوق المواطنين.

وقد مرّت مسودة هذا القانون بمراحل متعددة من النقاش والتوافق الواسع النطاق، بهدف الخروج بتشريع متكامل يلبّي طموحات الجمهورية الجديدة ويتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

النشأة: من صيف 2022 إلى لجنة الصياغة

تعود جذور هذا الملف إلى أواخر عام 2022، وتحديداً في شهر ديسمبر، حين أطلق مجلس النواب المصري إشارة البدء بتشكيل لجنة فرعية متخصصة أُسندت إليها مهمة صياغة المشروع الجديد من الألف إلى الياء.

ولم تعمل هذه اللجنة بمعزل عن مؤسسات الدولة، بل ضمّت في عضويتها تمثيلاً مكثفاً لكافة الجهات القضائية والمعنية، بغرض صياغة نصوص قانونية تواكب العصر وتحقق التوازن الدقيق بين مقتضيات الأمن القومي وحماية الحقوق والحريات العامة.

وبدأت مناقشات المواد فعلياً خلال جلسات البرلمان في فبراير 2025، ثم أُقرّ المشروع نهائياً بموافقة المجلس في أبريل 2025 [ref:3,5,8].

وبعد إقراره، ورد مشروع القانون من مجلس النواب إلى رئاسة الجمهورية بتاريخ 26 أغسطس 2025 بطلب إصداره، بعد أن تلقّى الرئيس مناشدات عديدة لإعادة النظر في بعض النصوص [ref:1,2].

أبرز ما تضمنه القانون الجديد

صدر قانون الإجراءات الجنائية رقم 174 لسنة 2025، ويتضمن عدداً من التعديلات الجوهرية التي تمثّل إضافة هامة لمنظومة الضمانات المقررة لحماية حقوق الإنسان، سواء ما يتعلق بحرية الشخص أو حرمة مسكنه، مع تقليل اللجوء إلى الحبس الاحتياطي [ref:7,10].

ومن أبرز محاوره:.

  • تأكيد اختصاص النيابة العامة الأصيل في تحقيق وتحريك ومباشرة الدعوى الجنائية، إعمالاً للمادة (189) من الدستور [ref:8].
  • استحداث نظام استئناف أحكام الجنايات، بما يعزز درجات التقاضي ويوفر ضمانة إضافية للمتهم [ref:4].
  • تطوير ضمانات الحبس الاحتياطي وتنظيم بدائل له، إلى جانب ضبط إجراءات المنع من السفر [ref:3,17].
  • رقمنة الإجراءات عبر تحديث آليات التحقيق والتصوير الجبري وصيغ التكليف بالحضور إلكترونياً.

لماذا تم تأجيل التطبيق لمدة عام كامل؟

في خطوة أثارت نقاشات واسعة، تقرر تأجيل تفعيل العمل بالقانون لمدة عام كامل، وهو القرار الذي جاء استجابةً لمناشدات رئاسية ومطالبات برلمانية ومجتمعية.

فقد وجّه الرئيس عبد الفتاح السيسي برد مشروع القانون إلى مجلس النواب لإعادة مراجعة بعض المواد، ثم وافق المجلس في جلسته العامة غير العادية على إرجاء التطبيق [ref:1,2,16].

وتتلخص الأسباب الرئيسية للتأجيل في النقاط التالية:

  • عدم جاهزية البنية التحتية والتكنولوجية في المحاكم والجهات القضائية لتطبيق النصوص المستحدثة – وبخاصة الرقمية – بكفاءة عالية [ref:13,18].
  • منح المحامين والقضاة وجهات إنفاذ القانون الوقت الكافي لدراسة التعديلات العميقة والواسعة التي أُدخلت على المواد الإجرائية والتدريب عليها.
  • استكمال المتطلبات التنظيمية والعملية اللازمة لضمان سير العدالة الناجزة دون عقبات [ref:9,14].

موعد التطبيق الجديد

كان من المقرر بدء العمل بالقانون في 1 أكتوبر 2026، إلا أن قرار التأجيل مدّد الموعد إلى 1 أكتوبر 2027 [ref:12,16,19].

ويُنتظر خلال هذه الفترة تنفيذ خطة متكاملة لتأهيل المنظومة القضائية، تشمل تدريب الكوادر البشرية، وتحديث مقار المحاكم، وربط النيابات العامة بقواعد بيانات موحدة، بما يضمن تطبيقاً سلساً وفعّالاً للنصوص الجديدة عند سريانها.

انعكاسات التأجيل على المشهد الحقوقي

أثار قرار التأجيل تفاعلاً من منظمات المجتمع المدني والحقوقيين، إذ دعت بعض المنظمات إلى عدم التأخر في تفعيل الضمانات الجوهرية المرتبطة بالحبس الاحتياطي ومنع السفر، باعتبارها حقوقاً لا تحتمل الانتظار، مطالبةً بتطبيقها بشكل فوري أو تعجيل العمل بها قبل الموعد النهائي.

وفي المقابل، يرى مؤيدو التأجيل أنه خطوة ضرورية لضمان عدم تعطّل العدالة نتيجة تطبيق نصوص غير قابلة للتنفيذ عملياً في الوقت الراهن [ref:3,17].

خاتمة

يبقى قانون الإجراءات الجنائية الجديد محطة مفصلية في مسيرة الإصلاح التشريعي والقضائي في مصر، إذ يجمع بين استحداث آليات عصرية للتقاضي وحماية حقوق الإنسان.

ويظل نجاحه مرهوناً بمدى جاهزية المنظومة القضائية والإدارية لتنفيذه، وهو ما يفسّر تأجيل تطبيقه عاماً كاملاً لضمان خروجه إلى النور بصورته المكتملة والفاعلة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *