شهد الشارع السياسي والقانوني في مصر خلال الأيام الأخيرة حراكاً تشريعياً متسارعاً، انتهى بموافقة مجلس النواب على تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025 لمدة عام كامل، لتبدأ سريان أحكامه فعلياً في الأول من أكتوبر 2027 بدلاً من الموعد الأصلي المقرر في أكتوبر 2026.
وجاء هذا القرار تتويجاً لنقاشات معمقة شاركت فيها الأحزاب السياسية والخبراء القانونيون، وصولاً إلى تقديم مشروع قانون بموافقة عشرين نائباً، ناقشته لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية قبل إحالته إلى الجلسة العامة.
حماة الوطن: التأجيل ليس ترفاً تشريعياً
أعلن النائب الدكتور أحمد العطيفي، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب حماة الوطن بمجلس النواب، موافقة الحزب على تعديل بعض أحكام القانون رقم 174 لسنة 2025 بما يتيح مهلة إضافية لاستكمال متطلبات التنفيذ، مؤكداً أن هذه الخطوة تعكس حرص القوى السياسية على خروج التشريعات بأفضل صورة ممكنة تلبي طموحات المواطن المصري.
وفي تصريحات متطابقة، شدد المستشارون القانونيون بالحزب على أن التأجيل يمثل “ضرورة وطنية” لا رفاهية، إذ يمنح الجهات المعنية فرصة زمنية كافية لاستكمال البنية التحتية والتقنية التي تتطلبها المنظومة الجديدة، خصوصاً في ظل التحول التدريجي لعدد من الإجراءات إلى النظم الرقمية الحديثة، من قبيل الميكنة والتقاضي الإلكتروني وربط جهات التحقيق والمحاكم وقلم الكتاب إلكترونياً، وهو ما يصب في النهاية في صالح العدالة الناجزة التي تقرن السرعة بالكفاءة.
«دستور ثانٍ» لكل مواطن مصري
يوصف قانون الإجراءات الجنائية بأنه “الدستور الثاني” للمواطن المصري، لأنه ينظم العلاقة بين الفرد ومؤسسات الدولة في أكثر لحظات الحياة حساسية، من لحظة القبض والاستجواب والتحقيق، مروراً بالحبس الاحتياطي وحقوق الدفاع، وانتهاءً بصدور الأحكام النهائية وتنفيذها.
ولهذا يرى الخبراء أن التريح في التطبيق ضرورة تتيح مراجعة كل مادة لضمان توافقها التام مع نصوص الدستور المصري لعام 2014 وتعديلاته، ومع المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تلتزم بها مصر، كضمان ألا تتحول النصوص الجديدة إلى عبء عملي على المتقاضين.
ويستند هذا الاتجاه إلى أن القانون الجديد أدخل تعديلات جوهرية تشمل ضمانات موسعة لحرية المواطنين، وإقرار مبدأ التعويض عن الحبس الاحتياطي الخاطئ، وتنظيم أكثر دقة لتفتيش الأشخاص والمنازل، وتقييد سلطة المنع من السفر والتحفظ على الأموال، وكلها إجراءات تستلزم تدريباً مكثفاً لأعضاء النيابة العامة والضبطية القضائية وأعوانها قبل الشروع في إعمالها.
ترقب لموقف مجلس النواب والجهات القضائية
يترقب الشارع السياسي في مصر المنهجية التي سيتبعها البرلمان خلال دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الثالث، الذي دُعي إليه بقرار رئيس الجمهورية رقم 398 لسنة 2026، حيث تسود حالة توافق مبدئي حول عدم الاستعجال في إصدار قوانين جوهرية تمس حياة المواطنين مباشرة.
وقد أكد مجلس النواب أن بابه ما زال مفتوحاً لأي آراء أو تعديلات إضافية يراها المتخصصون ضرورية، طالما أنها تهدف إلى تحسين النص التشريعي.
في المقابل، لم يخلُ المشهد من تحفظات، إذ دعت بعض منظمات المجتمع المدني المعنية بالحقوق والحريات إلى عدم التأخر في إنفاذ الضمانات المرتبطة بالحبس الاحتياطي والمنع من السفر، محذرة من أن التأجيل الكامل قد يؤجل الاستفادة من هذه المكتسبات، وطالبت بتطبيق متدرج يبدأ بالمواد الأكثر ارتباطاً بحقوق الإنسان.
خلاصة المشهد
يظل جوهر النقاش الجاري في مصر هو الموازنة الدقيقة بين طموح التحديث التشريعي وواقع الجاهزية المؤسسية.
وبينما يرى فريق أن التريث فرصة لبناء منظومة عدالة عصرية ومستدامة تليق بالجمهورية الجديدة، يخشى فريق آخر أن يؤخر التأجيل مكتسبات باتت ملحة.
والثابت أن القانون رقم 174 لسنة 2025 سيبدأ العمل به في أكتوبر 2027، وأن الأشهر القادمة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات على تحويل النصوص الطموحة إلى واقع ملموس.

التعليقات