التخطي إلى المحتوى

في ظل تحولات المشهد الإعلامي العربي، يقدّم الدكتور يوسف العميري، رئيس الاتحاد العربي لوسائل الإعلام ورئيس جمعية «خليجيون في حب مصر»، رؤية تحليلية لتجربة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر، واصفاً إياها بأنها ليست تجربة محلية فحسب، بل نموذج يستحق التوقف أمامه ويفتح نقاشاً عربياً أوسع.

أي إعلام نريد؟ سؤال الحرية والمسؤولية

يقول العميري إن السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: كيف نحافظ على حرية الإعلام، وفي الوقت نفسه نحمي المجتمع من الفوضى الإعلامية التي صنعتها سرعة النشر وتعدد المنصات وتراجع الحدود الفاصلة بين الخبر والرأي والتشهير؟ويشير إلى أن المشهد لم يعد كما كان قبل سنوات؛ فلم تعد الصحيفة ولا الإذاعة ولا شاشة التلفزيون المصدر الوحيد للمعلومة.

اليوم يستطيع أي شخص أن يصبح ناشراً في لحظة، وأن يصل محتواه إلى مئات الآلاف أو الملايين دون محرر أو مؤسسة أو مراجعة مهنية.

مساحة أوسع للتعبير… ومسؤوليات جديدة

يعتبر العميري أن هذا التطور منح الناس مساحة واسعة للتعبير، وفتح أبواباً هائلة أمام الصحافة وصناعة المحتوى، لكنه في المقابل خلق مسؤوليات جديدة لا يمكن تجاهلها.

ومن هنا تأتي أهمية وجود جهة تنظيمية تضع القواعد، وتتابع الالتزام بها، وتتدخل عندما يتحول المحتوى من ممارسة للحق في التعبير إلى تجاوز لحقوق الآخرين أو اعتداء على خصوصيتهم أو خرق للقواعد المهنية.

التنظيم ليس منعاً

يؤكد العميري أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر يتحرك في هذا الاتجاه من خلال متابعة المحتوى الإعلامي، والتعامل مع المخالفات، واتخاذ قرارات بحق بعض البرامج أو الإعلاميين عندما يرى أن ما يقدمونه يتجاوز الأكواد والمعايير المنظمة للعمل الإعلامي.

ويوضح: «يجب أن نفرق بين التنظيم والمنع؛ فالتنظيم لا يعني إسكات الإعلام، ووضع قواعد مهنية لا يعني مصادرة الرأي.

بالعكس، الإعلام القوي هو الذي يعرف حدوده المهنية، ويدرك أن حرية الكلمة تقترن دائماً بالمسؤولية».

خصوصية المواطن… حق أصيل لا ترف

يشدد العميري على أن الحديث عن خصوصية المواطن ليس ترفاً قانونياً أو مهنياً، بل حق أصيل للإنسان في ألا تتحول حياته الخاصة إلى مادة للفرجة لمجرد أن الوصول إليها أصبح ممكناً.

وعندما يتعلق الأمر بالأطفال، تصبح المسؤولية أكبر بكثير.ويبين أن الطفل ليس شخصية عامة، ولا يملك في كثير من الحالات القدرة على تقدير آثار ظهور صورته أو تفاصيل حياته في وسائل الإعلام ومنصات التواصل، ولذلك فإن حمايته من التشهير والاستغلال وكشف الخصوصية يجب أن تكون في مقدمة أولويات أي منظومة إعلامية محترمة.

بين اختلاف الرأي والإساءة المتعمدة

ينطبق الأمر نفسه على قيم الأسرة والمجتمع، بحسب العميري: «ليس المطلوب أن يتحول الإعلام إلى واعظ، ولا أن تكون كل مادة إعلامية خاضعة لرؤية واحدة، لكن هناك فارق بين الاختلاف في الرأي وبين تقديم محتوى يتعمد الإساءة أو التحريض أو انتهاك الخصوصية أو تجاوز القواعد المهنية التي تحمي المجتمع وأفراده».

تنظيم يشمل المشهد كله

يرى العميري أن التحدي اليوم أن التنظيم لم يعد قادراً على الاكتفاء بالتلفزيون والإذاعة والصحافة الورقية؛ فقد توسع المشهد ليشمل المواقع الإخبارية والمنصات الرقمية وحسابات التواصل الاجتماعي وصناع المحتوى، ولذلك فإن الحديث عن إعلام منضبط يجب أن يشمل المشهد كله.ويؤكد أنه لا يمكن أن نطلب من صحيفة الالتزام بمعايير مهنية صارمة ثم نترك منصة رقمية ضخمة تنشر الشائعات وانتهاكات الخصوصية دون أي مسؤولية، ولا أن نطالب المذيع بالتأكد من معلوماته بينما يصبح أي شخص قادراً على نشر اتهام بحق إنسان ثم يختبئ خلف عبارة «رأيي الشخصي».

فالفوضى الإعلامية لا يدفع ثمنها شخص واحد.

من يدفع الثمن؟

يوضح العميري أن الثمن يدفعه أحياناً مواطن عادي يجد حياته الخاصة منشورة أمام الناس، أو طفل تتحول صورته إلى مادة للتداول، أو أسرة تجد نفسها فجأة في قلب قضية لم تختر أن تكون طرفاً فيها.

وأحياناً يدفعه الإعلامي نفسه؛ فالمذيع أو الصحفي أو صانع المحتوى الذي يعتقد أن ارتفاع المشاهدات يبرر كل شيء قد يكتشف متأخراً أن الشهرة لا تمنح حصانة من المسؤولية.ويشير إلى أن الشخصيات العامة والمشاهير بحاجة أيضاً إلى منظومة تنظيم واضحة؛ فصحيح أن الشخصية العامة تتحمل قدراً أكبر من النقد والمراقبة بحكم موقعها، لكن ذلك لا يعني أن حياتها الخاصة تصبح مباحة بلا حدود، ولا أن كل صورة أو معلومة أو اتهام يمكن نشره دون تدقيق.

نحو إعلام عربي حر ومسؤول

يطالب العميري بأن تمتد هذه التجربة التنظيمية، مع تطويرها وضمان وضوح معاييرها وإجراءاتها، إلى مختلف الدول العربية، وأن يكون هناك قدر أكبر من التنسيق والتقارب في المعايير المهنية التي تحكم المشهد الإعلامي العربي.ويقول: «لا نحتاج إلى مزيد من الفوضى، ولا نحتاج أيضاً إلى إعلام يخاف من ممارسة دوره.

ما نحتاجه هو إعلام حر ومسؤول، قوي في كشف الحقيقة، دقيق في نقل المعلومة، محترم لخصوصية الإنسان، شديد الحساسية عندما يتعلق الأمر بالأطفال، ومدرك لحجم التأثير الذي أصبحت تملكه الكلمة والصورة في عصر المنصات الرقمية».ويؤكد أن تجربة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر تفتح باباً مهماً للنقاش العربي حول مستقبل المهنة، وأن الهدف في النهاية ليس منع الإعلام من الكلام، وإنما ضمان أن الكلام الذي يصل إلى الناس يستحق أن يصل إليهم، وأن تكون الحرية مصحوبة بالمسؤولية، وأن يعرف الجميع أن شهرة الشاشة أو عدد المتابعين لا يمنح صاحبه حق الاعتداء على الآخرين.

فالإعلام المنضبط ليس إعلاماً مقيداً.ويرى أن الإعلام المنضبط هو إعلام يعرف قيمة الكلمة، ويحترم الإنسان، ويدرك أن وراء كل خبر شخصاً، ووراء كل صورة أسرة، ووراء كل طفل مستقبل كامل؛ وهذه مسؤولية عربية مشتركة لا تخص دولة بعينها.ويختتم العميري حديثه قائلاً: «ولهذا أقول شكراً للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

شكراً لأنكم لم تتركوا المواطن وحيداً أمام فوضى الشاشات والسوشيال ميديا».

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *